هشيار زيباري… في رحلة كشف الأوراق من المجهول إلى المكشوف

د. ابراهيم احمد سمو

كالعادة، ينجح الإعلامي (هيفيدار احمد) في كل ظهور تلفزيوني بتقديم نفسه كصاحب بصمة خاصة، عنوانًا وطرحًا وأسلوبًا. فهذا الإعلامي، الذي وُلد ليكون محاورًا من طراز رفيع، بات اسمه مرتبطًا بقدرة استثنائية على صناعة الحوارات وقيادة الملفات الشائكة، خصوصًا في المساحات الحساسة بين بغداد وأربيل. وبرنامجه الأخير بعنوان (الوقت لم ينتهِ بعد) لم يكن استثناءً، بل كان استمرارًا لرحلة يتنقل فيها بين العواصم والسياقات، باحثًا عن كلمة تُقال، أو موقف يُكشف، أو راية تُرفع باسم الكورد.

ومع محبتي الكبيرة لهيفيدار وتقديري لجهده واحترافيته، فإن حلقة هذه الليلة حملت طابعًا مختلفًا بظهور الخال هشيار زيباري؛ أحد أبرز القيادات الكوردية التصاقًا بمركز القرار، وعضوًا محوريًا في الوفود التفاوضية الخاصة بتشكيل حكومة إقليم كوردستان، فيما تستعد بغداد لتشكيل حكومة جديدة على الأبواب. ومن هنا كان من الواجب أن يُسجَّل هذا اللقاء في مقال للتاريخ… إهداءً إلى هيفيدار، وإلى الخال.

حوار محمَّل برسائل مدروسة

الحلقة جمعت شخصيات شيعية وكوردية، وكان حضور القيادي هشيار زيباري هو الأكثر لفتًا للانتباه. فالحوار الذي أداره هيفيدار باقتدار، لم يكن مجرد نقاش عابر، بل كان مساحة لطرح رؤى سياسية حساسة، ولا سيما في ما يتعلق بعلاقة الإقليم ببغداد، وملفات (سرى ره ش) وأزمة المناصب، وموازين القوى.

ورغم ترابط المحاور وتشعبها، فإن البرنامج ركّز على الملف الشيعي بشكل واسع، بينما كان حضور المكوّن السني هامشيًا، وهو ما يُسجَّل كملاحظة على إدارة الحلقة؛ لأن طبيعة البرنامج السياسية كانت تحتّم توزيعًا أكثر توازنًا بين المكونات العراقية الثلاثة.

رؤية كوردية بوضوح غير مسبوق

أجوبة هشيار زيباري جاءت ذكية، محسوبة، ودقيقة. فعندما طُرح السؤال الأكثر حساسية: من سيكون رئيس الوزراء المقبل؟ كان جوابه محكمًا:

كلٌّ يُسأل عمّا يعنيه.بما معنى

لكنه، رغم تحفظه، مرّر رسائل واضحة:
إن ما يهمّ الكورد ليس هوية رئيس مجلس الوزراء، بل موقع رئيس الجمهورية ودوره الحقيقي. وللمرة الأولى منذ سنوات، سمع الجمهور رأيًا ينسف التصوّر الشائع الذي يحاول اختزال منصب رئيس الجمهورية بأنه منصب (تشريفي) أو (بروتوكولي). فقد أكد زيباري أن الرئيس يمتلك صلاحيات قادرة على إيقاف الكثير من القرارات وإعادة توجيه مسار الدولة، إذا أراد ذلك بالفعل.

هذا التصريح وحده أربك الجميع وحتى حسابات داخل الاتحاد الوطني الكوردستاني، لأنه وضع الضوء على نقطة خلافية في توازنات المفاوضات المقبلة، ومن المؤكد أن نقاشات كثيرة ستدور خلف الأبواب المغلقة بعد هذه الحلقة.

(لا نوقّع على بياض) … الجملة التي لخصت مرحلة كاملة

اللحظة الأكثر لفتًا للانتباه كانت تلك التي ابتسم فيها هشيار زيباري وقال:

(لا نوقّع على بياض… لا يا هيفيدار، لا تغشّم روحك.).

هذه العبارة، رغم بساطتها الظاهرية، كانت إعلانًا سياسيًا صريحًا بأن مرحلة التنازلات المجانية انتهت، وأن كل اتفاق جديد يجب أن يُبنى على مفاوضات واضحة، ومطالب مثبتة، وضمانات مكتوبة.

إنها رسالة موجَّهة إلى بغداد، وإلى القوى الكوردية على حدٍّ سواء:
زمن الشراكة الشكلية انتهى.
وزمن الحقوق غير المضمونة انتهى.

ما وراء السطور

اللقاء كان غنيًا بالرسائل، محمّلًا بما يكفي من الإشارات لمن يجيد قراءة السياسة بين السطور. فوضوح زيباري أعاد ترتيب الأسئلة حول شكل الحكومة المقبلة، وحول نوع التفاهمات التي يسعى الإقليم لفرضها في المرحلة القادمة.

لكن الأجمل في الحوار كان تأكيده القاطع بأن منصب رئيس الجمهورية حقٌّ يقرره الرئيس (مسعود بارزاني ) نفسه فقط، لأنه صاحب القرار الأول والأخير، وهو موقف يعكس احترامًا للدور الدستوري ورؤية واقعية لطبيعة السلطة.

خاتمة
كان ظهور هشيار زيباري في برنامج هيفيدار خطوة جديدة في رحلة (تقليب الأوراق) … من المجهول إلى المكشوف.
حديث شفاف،ورسائل عميقة، ومواقف تعبّر عن مرحلة سياسية تختلف عمّا سبقها.
لقاءٌ يستحق أن يُسجل، وأن يُعاد قراءته أكثر من مرة.

قد يعجبك ايضا