غروب زمن الجولاني… وصباح سوريا الذي يخرج من بين الركام

حوران حم

لم يتبقَّ للجولاني الكثير من الوقت. هذه ليست جملة سياسية ولا توقعًا تحليليًا عابرًا، بل إحساس عام يتشكّل في الأرض والنفوس. نهاية العام تقترب، لكن الزمن بالنسبة للجولاني أصبح أسرع من العدّ، أقرب إلى الانزلاق الحادّ، إلى أيام تتساقط كالأوراق الجافة من شجرة أنهكها الجفاف.

ما تبقى له ليس شهرًا، بل مجرد ساعات سياسية، لأن طريقة تفكيره المرتبكة ستختصر الزمن وتحوّله إلى عشرة أيام من التخبط والفوضى والقرارات التي تُفضح قبل أن تُنفّذ.

الجولاني، الذي حاول طيلة سنوات أن يظهر كحاكم واقع، دخل اليوم مرحلة العجز الكامل. لم يعد يملك ورقة قوة واحدة لم تُحرق. استهلك كل أدوات الترهيب التي كان يبني عليها هيبته. جرب لغة الحديد، ثم لغة الخديعة، ثم لغة النعومة السياسية التي لا يجيدها. في كل مرة كان يلبس ثوبًا جديدًا، لكنه في النهاية يبقى الرجل ذاته: مشروع إرهابي مهما اكتسى بربطة عنق، ومهما حاول الظهور بمظهر الإداري العصري أو الزعيم الشعبي.

العالم الخارجي لم يعد يقبل به.
لا دولة واحدة اعترفت بكيانه الهشّ.
لا تركيا، ولا السعودية، ولا أي قوة إقليمية أو عالمية سمحت له بأن يلوّح حتى بسفيرٍ شكلي. العالم كان واضحًا: ما بُني على الفوضى لن يصبح دولة، وما نشأ من رحم السلاح لن يتحول إلى شرعية.
الجولاني اليوم مثل ورقة مبلّلة في دفتر لعبة سياسية أكبر منه بكثير. رعاته الدوليون تعبوا من شكلته، من تكرار كلماته، من تصرفاته التي تكشف محدوديته. حتى أولئك الذين خلقوه، لم يعودوا يرون فيه سوى عبء.

لكن المشهد الحقيقي لا يصنعه الخارج وحده. الداخل السوري هو المكان الذي يتغير فعليًا. الجغرافية السياسية التي كانت متجمدة بدأت تتحرك، وأصوات كثيرة أصبحت أكثر جرأة.

في شرق الفرات، يقف الكرد بثبات غير مسبوق. تجربة السنوات الماضية صنعت وعيًا سياسيًا جديدًا، وقلقًا إقليميًا جديدًا، ووزنًا تفاوضيًا لا يشبه ما كان. قسد لم تعد قوة محلية تُستخدم، بل شريكًا يجري حسابه، طرفًا لا يمكن تجاوزه.

تركيا نفسها، التي كانت تهدد وتلوّح كل أسبوع، أصبحت حبيسة حسابات معقدة تمنعها من أي مغامرة جديدة ضد الكرد. تجد نفسها محاصرة بواقع دولي جديد، بعلاقات أوروبية حساسة، وبميزان قوى أميركي لا يسمح لها بالتقدم خطوة واحدة خارج الخط المرسوم.

وفي الجنوب، الدروز يشكلون كتلة صلبة لا تتشقق. حركة المجتمع هناك ليست صاخبة، لكنها عميقة. والحدود الجنوبية مفتوحة على نظرة إسرائيلية ثابتة: لن يُمسّ الدروز، ولن يُتركوا وحيدين.
وهذه الحقيقة وحدها تكفي لخلق توازن جديد، يُخيف النظام نفسه أكثر مما يخيف الجولاني.

أما العلويون، فقد خرجوا من دائرة الصمت الثقيلة. التحرك الذي بدأ على استحياء أصبح الآن جزءًا من المزاج العام. الشيخ غزال غزال لم يكن سوى شرارة أيقظت ما كان نائمًا، لكنّ الناس اليوم تتحرك لأنها تريد الخلاص من ثقل تراكم سنوات طويلة. لا يريدون ثورة، ولا يريدون دمًا جديدًا، لكنهم يريدون صوتًا يعيد لهم شيئًا من إنسانيتهم التي ضاعت.

وهنا، يتكشف مشهد سوري لم يكن أحد يتوقعه قبل عام واحد. مشهد تتداخل فيه أصوات الأقليات والهوامش والمناطق التي كانت دائمًا على الهامش. الأقليات لم تعد تثق بأي مشروع شرقي، لا عربي ولا تركي ولا إيراني ولا روسي. جرّبت الجميع، فوجدت أن الجميع يستخدمها ثم يتركها. ولهذا تنظر اليوم نحو الغرب، نحو القوى التي وإن كانت لها مصالح، فهي على الأقل لا تبيعهم بوهم الأخوة الكاذبة.

الجولاني يجد نفسه وحيدًا أمام هذا الانقلاب البطيء.
لم يعُد قادرًا على إقناع حتى مقاتليه بأنه يمتلك مستقبلًا لهم.
لم يعد قادرًا على إقناع الشارع بأنه أكثر من مجرد خطاب مملّ.
يستيقظ كل يوم ليجد العالم يبتعد عنه أكثر.

الفصل السابع، الذي دخلته سوريا أخيرًا، ليس مجرد بند قانوني. إنه إعلان دولي أن سوريا لم تعد قادرة على إدارة نفسها، وأن اللاعبين المحليين ليسوا سوى بيادق في رقعة شطرنج كبيرة.
وفي هذه اللعبة، الجولاني هو أضعف قطعة.
قد يستخدمونه لوقت قصير، لكنهم في النهاية سيُسقطونه خارج الرقعة دون أن يرمش جفن أحد.

ومع كل ذلك، تبقى اللحظة الآن لحظة الشعب.
لحظة العلوي الذي كسر حاجز الخوف.
ولحظة الكردي الذي يثبت وجوده رغم كل الضغوط.
ولحظة الدرزي الذي يحمي أرضه من العبث.
ولحظة السني الذي بدأ يرى الحقيقة خارج ضجيج المساجد المملوكة للحرب.
ولحظة كل إنسان سوري أدرك أن مستقبله لا يصنعه زعيم، بل يصنعه وعي.

هذه مرحلة لم تعد تقبل بالإملاءات التقليدية.
مرحلة لا ينفع فيها الصمت ولا الركون إلى الحياد.
مرحلة إذا لم يتحرك فيها الناس، سيتحرك الآخرون عنهم.
ولهذا، تصعد عبارة واحدة فوق كل الضوضاء:
لا تسكتوا عن أي انتهاك. لا تسمحوا لأحد أن يسلبكم صوتكم. لا تحك جلدك إلا ظفرك.

الجولاني سينتهي.
ليس لأن هناك من قرر إسقاطه، بل لأن اللحظة التاريخية تجاوزته.
لأن سوريا بدأت تخرج من موتها، وتبحث عن هوية جديدة خارج الخوف، خارج الطوائف، خارج السلاح.

قد يعجبك ايضا