التآخي : وكالات
من بين عشرات العروض المسرحية العربية والأفريقية، حصدت مسرحية “الجدار”، في مهرجان أيام قرطاج المسرحية، النسخة 26 في تونس، جائزة أفضل سينوغرافيا، وجائزة التانيت الفضي كأفضل عرض مسرحي، ورُشّح بطلها الممثل يحيى إبراهيم لجائزة أفضل ممثل، وهي من تأليف حيدر جمعة وإخراج سنان العزاوي وسينوغرافيا علي السوداني، إنتاج دائرة السينما والمسرح العراقية.. بينما ذهبت جائزة التانيت الذهبي إلى مسرحية “الهاربات”، تأليف وإخراج التونسية وفاء الطبوبي.
مخرج المسرحية سنان العزاوي قال لشبكة رووداو الإعلامية، من قرطاج في تونس، اليوم الأحد، 30 تشرين الثاني 2025: “هذه الجوائز هي تكريم لمسيرة المسرح العراقي الذي عُرف بعمق وجمالية عروضه الفكرية ولكل رواده من مخرجين، وفي مقدمتهم والدي المخرج محسن العزاوي الذي كان وما يزال حاضراً معنا بإنجازاته المسرحية، وممثلين وفنيين.”
وأضاف: “هذه جهود أشهر طويلة من التحليل والتفسير والتجريب والتمثيل حيث قدم فريق العرض منجزاً متميزاً منذ العروض الأولية للمسرحية في بغداد عام 2024، وفوزها كأفضل عرض مسرحي متكامل ثم في قرطاج تونس 2025، وتتويجها كأفضل سينوغرافيا وأفضل عرض مسرحي متكامل تانيت فضي، ورحلة (الجدار) لن تنتهي بسهولة والحصاد جاري.”
جمهور أيام قرطاج المسرحية، الذي أقيم ما بين 22 وحتى 29 تشرين الثاني، والذي يُعتبر واحداً من أهم وأبرز المهرجانات المسرحية في العالم العربي وأفريقيا، صفق طويلاً إعجاباً بعرض “الجدار” بالرغم من أن فريق المسرحية عرض لمدة 5 ساعات، عرضين في اليوم، بواقع ساعتين ونصف الساعة للعرض الواحد.
يأخذ النص المسرحي الغني بمفرداته قصص 11 امرأة، هن ضحايا المجتمع الذكوري القاسي بحق الزوجة والبنت والحبيبة، لكل امرأة قصتها التي يضعها العزاوي تحت مجهر التحليل الجمالي ويسلط عليها عدسات إبداعية مكبّرة ليجسد وبصورة عريضة وعميقة أيضاً فواجع معاناتهن وسط ضجيج الحياة التي لا تلتفت لصراخهن بوجه العالم.
فريق العرض محتفلا بالفوز في قرطاج
“الجدار” يفصل بين ما هو مفضوح وما هو مستور، الجدار مؤسس في الداخل أولاً، الداخل البشع والمتعب، والخارج المبرقع بالزيف والأكاذيب والمكياج والأزياء التي تغطي صخب انفعالات مكتومة وشهادات حقيقية تجرحها المظاهر.
عشر ممثلات مثل لبوات جريحات يتحركن في فضاء مغلف ومغلق بالجدران التي تخفي وراءها جرائم تتراكم وتتناسل تفضحها الشخوص كلما تمادت الأحداث في قسوتها، هن: آلاء نجم، التي لعبت بطولة النسخة الأصلية للمسرحية وبسبب عائق صحي استُبدلت بالممثلة إنعام البطاط في عرض قرطاج، لبوة عرب، إسراء رفعت، رضاب أحمد، زمن الربيعي، رهام البياتي، نعمت عبد الحسين، عراق أمين، شيرين سيرواني، وعبير جبار، وممثل يؤدي دور الممسوخ، يحيى إبراهيم، هو بمثابة المُروّض للبوات.
مخرج المسرحية سنان محسن العزاوي ومؤلفها حيدر جمعة
بالأسئلة يبدأ العرض، الأسئلة التي تتعلق بفلسفة الحياة، وتبقى هذه الأسئلة تتردد خلال الأحداث دون الإجابة عنها بوضوح: هل نحن بشر أم حيوانات؟ هل نحن ملائكة أم شياطين؟ هل نحن مؤمنين أم قوادين؟ أسئلة تقترب كثيراً من سؤال الشخصية الشكسبيرية المثيرة للجدل، هاملت: To be or not to be، “نكون أو لا نكون”، فالوجود هنا محور صراع الشخصيات مع ذواتها أولاً ومع المحيط المجتمعي ثانياً، مع الحدث ذاته ومع المؤثرات، لتتشابك الخيوط بالتالي وتنسج شبكة من التناقضات التي تحكم بها المخرج سنان العزاوي تماماً مثل الدمى المربوطة بخيوط، قبل أن تفلت منه فيتركها لمصائرها.
الجدار عبارة عن عازل بين الرذيلة والفضيلة الغائبة، تتحرك في مساحته الفاصلة الراقصة التي تفضح ممارسات السياسيين الذين يستلبون روحها وجسدها، والبنت التي كان والدها يغتصبها ويربطها في سلاسل داخل البيت “كالكلب الأجرب” على حد وصفها، والأم التي تضطرها حالتها العصابية إلى رمي طفلتيها في النهر: “هل وجدتم حضن النهر أكثر دفئاً من حضني؟” تسأل طفلتيها الغارقتين، والزوجة التي يعرض زوجها جسدها للآخرين مقابل ثمن، الزوج “القواد”، وكذلك الزوج المريض بنزواته الشاذة فتحرقه زوجته في فراشه، والمرأة المتدينة، مع تضبيب الدين أو المذهب، والتي تتبادل في مهمتها وشخصيتها مع الراقصة لتفضح حقيقة شخصيتها المتوارية بعباءة الدين.
المخرج الأكاديمي سنان العزاوي، المهتم بالبحث العميق والتحليل الفلسفي والجمالي للموضوع والعرض، وحسبما أوضح لرووداو، فضح الهجمة “الكونيالية” من دول ما يسمى بالعالم الأول على العالم الثالث عن طريق بث أفكار شاذة ومريضة لتدمير المجتمعات، أفكار وممارسات مثل تبادل الزوجات، ونشر المخدرات، والتحول الجنسي الذي تجسد بشخصية الذي ضيّع أو أضاع جنسه بين الرجولة والأنوثة فلم يعد يعرف من هو، وصور الاغتصاب، وزنى المحارم، وتشويه كل ما هو نقي وواضح وتحويل الأبيض النقي إلى أسود كالح.
نص مسرحية مثل “الجدار” الذي كتبه حيدر جمعة، كان بحاجة لأن يخضع لمختبر المفسر والمبدع الجمالي سنان العزاوي، لكن الأهم من كل هذا، هو أن المخرج احتاج إلى نمط متميز من كادر التمثيل، الممثل المبدع والمتميز يحيى إبراهيم، الذي لعب دور المايسترو لفريق الممثلات، العازفات لهارموني الأحداث.. فهو بجسده الرجولي الفخم وشاربه ولحيته الكثّة جسد دور الشاذ جنسياً، الرجل الذي أضاع فحولته بتأثيرات اجتماعية منذ طفولته، وفي تجسيده لأكثر من شخصية على خشبة المسرح.
لقد انتظر الجمهور المسرحي العراقي والعربي عملاً ساحراً، مدهشاً، ذكياً، ناقش — ولا أقول خاطب — المتلقي فكرياً وأدخله في سجال فلسفي وجمالي تنويري متوهج. قدم عرضاً خارج القوالب المتعارف عليها وتجاوز بعيداً ما كان يُعتقد أنها خطوط حمراء أو مناطق محرمة وفتح الأبواب أمام من كان يتحجج بهذه الأعذار، بل حقق كشفاً كبيراً عندما وجد أن الجمهور تفاعل مع هذه الطروحات وأيّدها.
العنصر الذي اكتمل عرض مسرحية “الجدار” به هو السينوغرافيا، تصميم الفنان المبدع علي السوداني، الذي اشتغل على تقنيات تشكيلية، لوحات ومنحوتات تجريدية تناغمت مع حركة الممثلين وخطط المخرج والإضاءة التي لعبت دوراً بطولياً في العمل. إن تصميم جدار عازل ومتحرك في آن واحد، جدار يتفاعل مع حركة الممثلين، فيبدو مرناً رغم قسوته فكرياً وعملياً، الجدار هو السجن وهو العازل بين الحياة والموت، لكنه في مسرحية “الجدار” جاء عملاً تمثيلياً يستجيب لفلسفة العرض.
يُذكر أن مسرحية “الجدار” كانت قد فازت كأفضل عرض مسرحي متكامل في مهرجان بغداد الدولي للمسرح بدورته الخامسة والذي أقيم للفترة من 10 وحتى 19 كانون الأول 2024.