جواد ملشكاهي
تُعدّ المرأة، عبر مختلف مراحل التأريخ، إحدى أهمركائز المجتمع في بناء الهوية الثقافية وصون الذاكرةالجمعية للشعوب. فبين يديها تنشأ الأجيال، وعلىلسانها تُنقل أولى الكلمات، ومنها تبدأ رحلة الطفلفي التعرف على جذوره، لغته، وقيمه. ولهذا، فإن دورالمرأة في الحفاظ على الهوية واللغة ليس دوراً ثانوياًأو هامشياً، بل هو دور محوري في بقاء الموروثواستمراريته.
منذ اللحظة الأولى في حياة الإنسان، تكون اللغةالتي يسمعها من الأم هي الأساس الذي تتشكلعليه قدراته اللغوية. ولهذا أصبحت المرأة المصدرالأول لتعليم اللغة، سواء كانت اللغة الأم أو اللهجةالمحلية أو التعابير الثقافية الخاصة بالمجتمع.
إن استمرار الأمهات في استخدام لغتهن الأصليةداخل البيت يعدّ أهم ضمانة لمنع اندثار اللغة، خاصةفي ظل ضغط العولمة والصراع بين اللغات.
لطالما حملت النساء دور “الذاكرة الحية” للمجتمعمن خلال القصص الشعبية، الأغاني التراثية،الأمثال، طقوس الأفراح والأحزان، ومختلف العاداتالتي تنتقل شفهياً من جيل إلى آخر. هذه العناصرليست مجرد ترف ثقافي، بل هي أسس الهوية التيتمنح المجتمع شخصيته وتميّزه.
في البيت أو المدرسة أو المجتمع، تعتبر المرأة شريكاًأساسياً في توجيه السلوك الثقافي للأجيالالجديدة. فهي من يغرس في الأبناء قيم الانتماء،الاعتزاز بالجذور، احترام التاريخ، والحفاظ علىاللغة كلغة للتواصل والتفكير والفخر القومي أوالوطني.
رغم قوة تأثير المرأة، إلا أن التحديات الحديثة ـ مثلانتشار وسائل التواصل، تبدّل أنماط الحياة، ضغطاللغات الأجنبية، والهجرة ـ باتت تهدد اللغاتالصغيرة والهوية المحلية. وهنا يتجلى دور المرأةالواعي في إيجاد توازن ذكي بين الانفتاح علىالعالم والتمسك بالهوية.
لم يعد دور المرأة محصوراً في البيت فقط؛ فهناكالكاتبات والباحثات والمدرسات والإعلاميات اللواتييلعبن دوراً أساسياً في تعزيز اللغة وتطويرها. إننشر الكتب، تدريس اللغة، إعداد البرامج الثقافية،وتنظيم النشاطات التراثية، كل ذلك يسهم في ترسيخالهوية عبر أدوار مؤسسية ومجتمعية.
في الختام ينبغي التأكيد على ان المرأة ليست مجردحامية للغة والهوية، بل هي من يصنع أسسها الأولىويضمن استمرارها. وحين تكون المرأة واعية لقيمةلغتها وتراثها، فإن المجتمع بأكمله يصبح أكثر قوةوصلابة في مواجهة الاندثار الثقافي.
إن الاستثمار في قدرات المرأة، وتعزيز حضورها فيمجالات الثقافة والتعليم، هو استثمار مباشر فيبقاء الهوية واستمرارية الأجيال