أحمد زبير باني
المقدمة: حين يلتقي الزعيم بالروح
في جزيرة تعانق الماء والضوء، وتنهض من طبقات الزمن كأيقونة محفورة في الوجدان، وقف الرئيس مسعود بارزاني ليوقظ في المكان روحه الأولى؛ تلك الروح التي نهلت من تراتيل الملا الجزيري بقدر ما نهلت من صلابة الجبل. لم تكن زيارته إلى بوتان مجرد حدث سياسي، بل استعادة لتوق قديم يجمع بين زعيم يمشي في دروب التحرر وقديس صوفي أحرقته أسئلة الوجود فصار نورًا يُهتدى به.
هناك، على حافة التاريخ، التقت المسيرتان: مسيرة تحمل سيف الإرادة، وأخرى تحمل قنديل المعرفة. وفي لحظة نادرة، بدا أن الزمان والمكان انطويا ليتسع القلب الواحد، فانبثق المعنى الذي لا يتكرر:
إنّ درب الحرية لا تُرسم حدوده بالخرائط، بل بالروح التي تؤمن أن الحق واحد مهما تبدّلت العصور.
المحور الأول: الملا الجزيري – نجم التصوف الخالد
وصف الرئيس بارزاني الملا الجزيري بأنه:
“ستێرەکا گەشە و چ جارا ئاڤا نابێت”
(نجم ساطع لا يأفل)، وهو وصف يجسد مكانة هذا العارف في الوجدان الكوردي والإسلامي.

فارس الفلسفة
لم يكن الملا الجزيري شاعراً فحسب، بل فارساً من فرسان الفكر، يمزج بين جمال اللغة وعمق الأسئلة الوجودية. جعل من الكوردية وعاءً للعشق الإلهي وأداة لاستنطاق سرّ الوجود، فارتفعت قصائده إلى مقام التأمل العميق والذوق الصوفي الرفيع.
بلوغ مقام الفناء في الله
حين يشير بارزاني إلى بلوغ الجزيري مقام الفناء، فهو يلامس جوهر التجربة الصوفية. الفناء ليس انسحابًا من الحياة، بل اندماجًا عميقًا مع الحقيقة العليا، يمنح صاحبه قوة صامتة وصلابة لا تُقهر في مواجهة العواصف.
المحور الثاني: وحدة الجوهر – “چ ئاڤ و چ جەمەد”
استشهد الرئيس بارزاني ببيت خالد للجزيري:
«د ئەسل دا کو هەمی ئاڤە چ ئاڤ و چ جەمەد»
(في الأصل، كلّها ماء، سواء كان سائلاً أو جامداً)
وحدة الحقيقة
هذا البيت يُختزل فيه فلسفة وحدة الوجود: اختلاف الصور لا ينفي وحدة الأصل، والمظهر مهما تغيّر يعود إلى جوهر واحد.
تطبيق المفهوم على النضال
في رؤية بارزاني، فإن هذه الوحدة الروحية تُترجم إلى وحدة بين الأجيال والمناطق والتيارات. الصلة بين بارزان وبوتان، وبين الشيخ أحمد البارزاني والملا الجزيري، ليست مجرد تاريخ مشترك، بل امتداد طبيعي لطريق الحق الذي لا ينكسر عبر الزمن.
المحور الثالث: الالتزام الأبدي – من الشاعر إلى الزعيم
اختتم بارزاني خطابه بأبيات موجّهة إلى الملا الجزيري:
“دەست هەڵناگرین ژ تەڵەب / گەر مە د ڕێ چیت سەر و تشت
پشت نادەین دوو هزار خەنجەر و تیر و رم و خشت
مە سەرێ دانیە ڕێ و ب خودێ بەستیە پشت”
إرث المقاومة
هذه الأبيات ليست شعرًا فحسب، بل عهد بأنّ الطريق لا يُترك ولو بلغ الثمن حد الرأس. إنها خلاصة الإرث الكوردي في الصبر والمقاومة والثبات.
مرجعية روحية ونضالية
حين يقول بارزاني:
“مە ژی ب تە بەستیە پشت و دەست هەلناگرین ژ تەڵەب”
فهو يرتقي بالملا الجزيري من شاعر صوفي إلى مرجع روحي، مؤكداً أن الحركة التحررية لا تنفصل عن جذورها الصوفية العميقة.
الخاتمة: الوعد والالتزام
تجاوز حديث بارزاني عن الملا الجزيري إطار القصة والخطاب، ليصبح إعلاناً صريحاً بأن الروح التي أيقظت المريدين قبل قرون قادرة على إحياء أمة بكاملها اليوم. العلاقة بين الزعيم والشاعر ليست مجرد صلة بين حاضر وماضٍ، بل جسراً بين رؤيتين تتكاملان: الأولى تمسك بمصير الشعب، والثانية تمسك بسر الوجود.
في لحظة تلتقي فيها التضحيات بالشعر، والجبال بالقصائد، ندرك أن هذا الطريق لم يكن يوماً طريق فرد أو جيل، بل عهد متوارث كتبته آلاف الخطوات على صخور المقاومة. كما لم يأفل نجم الملا الجزيري، لن تخبو النار التي يحملها السائرون على دربه، مهما تناثر الحجر وتكاثر الظلام.
فليشهد التاريخ، ولتشهد أرواح الذين رحلوا: شعب يضع شعر الجزيري في قلبه وعهد بارزاني على كتفه، لا يمضي نحو الحرية… بل يصنعها صنعة القديسين، ويورثها للأبد ر