الظلاميون يستهدفون (روناكي)

شيار خليل

(في كوردستان… حتى النور بات هدفاً للخفافيش)

إن الهجوم الأخير على حقل كورمور لم يكن حدثاً عابراً ولا عملية تخريبية معزولة، بل جزءاً من سياق أوسع تحاول من خلاله قوى معروفة بنهجها الفوضوي تعطيل التوازنات الجديدة التي بدأ الإقليم يرسخها عبر بناء بنية تحتية للطاقة تتسم بالاستقرار والقدرة على الإنتاج المستدام. فالضربة التي أُطلقت عبر مسيّرة مفخخة لم تستهدف منشأة تقنية فحسب، بل حاولت المساس بمشروع استراتيجي يعيد تعريف العلاقة بين المواطن والدولة في كوردستان، ويمنح الإقليم حضوراً أكثر صلابة في معادلات الطاقة داخل العراق وخارجه.

لقد شكّل مشروع روناكي خلال الأشهر الماضية خطوة نوعية، ليس فقط على مستوى ساعات التجهيز، بل على مستوى بناء نموذج للخدمات العامة يقوم على القدرة المؤسسية والكفاءة والاستدامة. النجاح السريع لهذا المشروع لم يمرّ من دون حساسية لدى الأطراف التي تخشى ظهور أي تجربة ناجحة في العراق يمكن أن تقدّم معياراً مختلفاً وتكشف حجم الفشل المتراكم في أماكن أخرى. لذلك جاء الاستهداف تعبيراً عن خشية سياسية أكثر منه عملاً تخريبياً ضد محطة غاز، فالإقليم الذي استطاع في فترة قصيرة بناء منظومة كهربائية حديثة أصبح يشكّل تحدياً لسرديات قائمة على إبقاء العراق رهينة العجز الطاقي.

وتزامن الهجوم مع لحظة سياسية عراقية تتسم بإعادة ترتيب خرائط النفوذ بعد الانتخابات، ومع بدء مرحلة حوارات دقيقة حول تشكيل الحكومة المقبلة في بغداد، في وقت تستعد فيه القوى الكوردية لإعادة بناء مؤسسات الإقليم التشريعية بما يعيد ضبط الحياة السياسية على أسس دستورية. وفي مثل هذه اللحظات، تتحرك القوى التي تعتاش على الاضطراب لإرسال رسائل عبر استهداف البنى التحتية الحيوية. فاختيار كورمور لم يكن اختياراً تقنياً، بل محاولة للتأثير على مسار سياسي يتجه نحو تثبيت الاستقرار المؤسسي، ولإظهار قدرة بعض الجهات على تعطيل مشاريع التنمية عندما تشعر بأن موازين القوى ليست في صالحها.

وردّ الإقليم كان بحجمه السياسي الحقيقي. فالمواقف التي صدرت من أربيل لم تتحدث عن (حادث) بل عن (اعتداء على البنية التحتية الاستراتيجية) وعن محاولة لضرب مسار اقتصادي بدأ ينعكس مباشرة على حياة المواطنين. ولهذا شدد رئيس الحكومة مسرور بارزاني على أن حماية منشآت الطاقة تمثل جزءاً من مسؤوليات الدولة ومكوّناتها الدستورية، وعلى أنّ الاستهداف يطال جوهر العملية التنموية في كوردستان، مؤكداً في الوقت نفسه ضرورة تطوير قدرات الدفاع الجوي لمواجهة تهديدات المسيّرات التي أصبحت أداة بيد القوى الخارجة عن إطار الشرعية.

الإقليم، كما أشار بارزاني مراراً، لا يطلب حماية من موقع ضعف، بل يؤكد على شراكة استراتيجية مع الولايات المتحدة والتحالف الدولي في حماية الاستقرار، بوصفه ركناً رئيسياً للأمن الإقليمي ولأمن إمدادات الطاقة. إن كوردستان اليوم تمتلك مشاريع حيوية على مستوى الغاز والكهرباء، وهذه المشاريع بطبيعتها تتطلب منظومات دفاعية متقدمة، وهي مسؤولية يتحملها الشركاء الدوليون الذين تربطهم بالإقليم التزامات واضحة في إطار مكافحة الإرهاب وتعزيز أمن العراق واستقراره. فالمعادلة بسيطة: أي تهديد لمنشآت الطاقة في كوردستان هو تهديد للاستقرار الاقتصادي العراقي بأسره، وهو ما يتطلب تفعيل مستويات أعلى من التعاون الدفاعي الأميركي–الكوردستاني.

وعليه، فإن المرحلة المقبلة تستدعي مقاربة أكثر واقعية في التعامل مع تهديدات الطائرات المسيّرة، عبر تمكين الإقليم من معدات دفاعية متخصصة، وهو مطلب مشروع وضروري، وقد عبّر عنه رئيس الحكومة بوضوح في دعوته واشنطن إلى دعم كوردستان تقنياً وعسكرياً لحماية البنى التحتية المدنية. وليس ذلك طلباً استثنائياً، بل ترجمة طبيعية لشراكة تمتد لسنوات وتشكل أحد ركائز استقرار العراق.

إن النور الذي حاول الظلاميون استهدافه في كورمور ليس مصابيح كهرباء، بل مشروع سياسي–اقتصادي يريد البعض منعه من أن يتحول إلى نموذج. لكن الرسالة التي خرجت من الإقليم كانت أوضح: التطور في كوردستان لن يُطفأ بضربة مسيّرة، وحماية المشاريع الاستراتيجية ستتم عبر شراكات راسخة مع القوى الدولية التي تدرك أن استقرار الإقليم عنصر أساسي في استقرار المنطقة. وكما أكد مسرور بارزاني، فإن تزويد كوردستان بأنظمة دفاعية متقدمة لمواجهة هذه التهديدات لم يعد خياراً، بل ضرورة لحماية مشاريع النور من الذين لا يعيشون إلا في العتمة.

قد يعجبك ايضا