محسن دزه يي
تكمن أهمـية هذا الـكتاب فـيمـا يفـتحـه من النوافـذ أمـام أنظار القراء فهـو عبارة عن سيرة الحياة الشخصية والسياسية للمناضل البارز في صفوف حركة التحرر الكوردستانية ، (محسن دزه يي).
يغطي الجزء الأول من كتاب (احداث عاصرتها) أيام طفولتـه ومراحل دراسـته ثم الاحداث التـي وقعت في محطات حياته المختلفة من مزاولة مهنة المحاماة والتجارة،الى التحاقه بالثورة الكوردية عام 1963 كبيشمركة وسياسي،ومن ثم توليه مسؤوليات قيادية هامة في صفوف الحزب الديمقراطي الكوردستاني والثورة الكوردية، ولأهمية هذه الشخصية القيادية البارزة ودوره الفاعل في الحركة التحررية الكوردستانية، ندعوا قراءنا الى متابعة مجريات الأحداث والذكريات التي عاصرها المناضل (دزه يي) خلال محطات حياته.

القسم التاسع عشر
وخـلال شــهـري شــبـاط واذار 1959 كــانت الاجـواء العــامـة في مدينة الموصل متوترة بعض الشيء نتيجـة الظروف التي سبق ان ذكرتها وكذلك نتيجـة وجود نوع من الروح القومية فـي المدينة أساسا ويومها تقـرر عقد مؤتمر انصـار الســلام في الموصل وحـســبـمــا علمت بأن المسؤولين هناك وخـاصة العـقيـد الشواف قـد عارضـوا عقـد المؤتمر بسبب توتر الاجـواء في المدينة لكن رغم ذلك عـقد المؤتمر وتوجهت وفـود كثـيرة من بغـداد والمدن الاخــرى الى الموصل، وحـاول الحــزب الشــيـوعي العــراقي اســتـغــلال تلك المناسبة ووضع كل ثقله لإنجــاح المؤتمر الذي تحـول الـى تظاهرة سـيـاســيـة استعرضت فيها العضلات.
وفي يوم 8 اذار 1959 سـمعنا في أربيل بتـوتر الاوضاع ووقـوع بعض الحوادث في الموصل لكننا لم نهتم بالأمر كثيرا لعدم صدور أي تعليق أو بيان رسمي حول ذلك، وقد ذهبنا في المساء الى نادي الموظفين كالمعتاد، وبعـد وصولنا النادي بفـترة قـصيـرة سمـعنا من بعض منتسـبي النادي بأن هنالك محطة اذاعة سرية تذيع البـيانات المعادية لنظام الحكم وتذيع انباء وقـوع حـركـة انـقـلابيـة فـتـجـمـعـنا حـول جـهـاز الراديو الوحــيـد في النادي وعلـمنا بـان المحطـة المذكورة تذيع الـبـــيــــانات مـن الموصل وان تمرداً في الجـيش قـد حـصل وان احداثـاً تجري في الموصل هذا اضافـة الى الاخـبـارالواردة من الموصل بواسطة القادم، منها الى أربيل.
“في ربيع العام 1959 وبعد حركة الـشواف أصبح نافع يونس مرة أخرى مسـؤولا للحـزب الشيـوعي في أربيل، فذهبنا كـاك احمـد وانا الى مقـرهم للترحيـب به والسلام عليه، وقد اخـبرناه عن طريق الاستعـلامات بوجودنا وبعــــد انتظـار زهاء نـصف الســــاعـــة اخــــبـــرنا الـسكرتـيـــر او مــــســـؤول الاسـتـعـلامات بأن الـرفيـق نافع لايتـمكن من اسـتـقبـالنا ويـقول ليـراجـعـا الجـمـعيـات الفـلاحـية فـيـمـا اذا كان لديـهمـا أمـر مـا!! فغـادرنا ذلك المقر ونحن نهــز رؤوسنا باسـتـخـفــاف من هذا الاسلوب هذا مـثــال واحـد على تصـرف بعـض الاخـوان في الحـزب الشـيــوعي، واني آسف للمـصــيـر الذي لاقاه المرحوم نافع يونس بعد ذلك”
واخـتلفت الانباء والروايـات الواردة ثم علمنا بان العـقيـد الشواف يقـود حركة انقلابية عسكرية، وساد في أربيل تلك الليلة جو من التوتر وبعض الفوضى، وكنا نترقب الاوضاع نحن الذيـن كنا على الحياد ولاننتمي الى جـهة سـيـاسـية مـعـينة بصـورة رسـميـة، وفي اليـوم التـالي 9 اذار1959 سـمـعنا بانه قـد تمت السـيطرة على الموقف وقـتل الـشواف نتـيـجـة تعـرض مـقـره في مـعـسكـر الموصل الى قـصف جـوي وقـد عـمت الـفـوضى المدينة فيـما بعـد -حسب مـا سمـعت- وانتهـكت القوانين ولم تتم السـيطرة على الوضع الامـني الا بعــد بضــعــة ايام، وحــدثـت نتــيــجــة ذلك انتــهــاكــات واعتداءات وتصرفات كيفية واعمال انتقام ظلت اثارها مدة طويلة.
وقـد سـمعـت فيـمـا بعـد وبعـد التـحـاقي بالثـورة الكردية تفـاصـيل تلك الاحـداث من اصدقـائي رشـيد الحـاج بدري السندي ويوسف جـمـيل ميـران وجرجـيس فتح الله حيث ان الاولين كـانا ضابط في الوحـدات العسكرية المرابطة في الموصل ومن الموالين لعبدالكريم قاسم آنذاك، وقـد اعتقلتهـما عناصـر الانقـلابيين اول الامـر ثم جـرى اطلاق سـراحهـمـا عند ظهـور بوادر فشل الحركة.
وبعد فـشل تلك الحركة عـمت انحاء العراق ردود فـعل معاكسـة وغابت سلطة الـقـانون في العـديـد من المناطق وعم نوع من الـهـسـتـريا والـفـوضى أدى الى العنف الشـديد في احـيـان كـثيـرة ودون رحـمـة او اعـتبـار بحـيث خلقت أو زادت روح الكراهـيـة والانتـقـام الموجودة بين فـئـات الشـعب ولم تبق اية هيبة للقوانين.
وأورد مـثـالاً بسـيطاً على مـدى مـاوصلـت اليـه الفـوضى وضـيـاع سلطة القـانون، ففـي اواخر شـهـر اذار العام 1959 أي بعـد القـضـاء على حركـة الشـواف، ألقي القـبض على العـديد من النـاس جزافـاً وبطريـقة عـشـوائيـة بحجـة كونهم (متـآمرين) واعداء الثـورة والجمهـورية، وقد شمل التـوقيف رجـال الدين والمتنفذين ورؤسـاء العـشائر وبـعض كبـار الموظفين والضـبـاط المتقاعدين والملاكين وغـيـرهم من الذين لاعـلاقـة لهـم بالسـيـاسـة اصـلاً،واشير هنا الى الاجراءات التي اتخذت في لواء (محافظة) أربيل تحديداً لأطلاعي الكامل عليـهـا ولو ان هذه الاجراءات قـد شـملت العراق بصـورة عامـة، فمن بين الذين تم توقيفـهم الشيخ محي الدين الشـيخ صالح الذي ورد ذكـره سابقـا بالرغم من مكانتـه الدينيـة وتمتعه بالاحـتـرام لدى جمـيع الطبقات من أبناء المدينة بصورة خاصة واللواء (المحافظة) بصورة عامة، وكذلك العـالم الديني الشهير الملا صالح كوزه پانكي والذي كان يتـجاوزالسبعين من عـمـره، وقد كـان للمـلا صـالح هذا فيـمـا بعد مـواقف قـوميـة مــشــرفــة، فــفي العــام 1965 جــمع المشير عــبـدالـســلام عــارف رئيس الجـمهـورية عددا كـبيـرا من رجال الدين الـعرب والكُرد وبينهم الملا صالح المذكور وطلب منهم اصـدار فــتـوى دينيــة ضـد الـثـورة الكرديـة وتكفـيــرالقائمين بها فـوقف الملا صالح بكل جرأة ضـد هذا الادعاء بقـوة وقال: (ان كل من يكفـر هـؤلاء المسلمين هو كـافـر نفـسـه) ، فــتـمكن من افـشـال تلك الخطة بجرأته وحجته القوية.
“مــرت الايـام ثم هدأ الوضـع قليــلاً وكــان البــارزانـي قــد تدخل شخصياً لمعالجة الموقف في المكتب السياسي فأزاح حمزة عبدالله سكرتيرالحزب مع بعض الاعضاء من ذوي الميول اليسارية المتطرفة وجاء بابراهيم احمـد سكرتيراً جـديداً للحـزب ورفع التجـميد عن الاشـخاص الذين كـانوا قـد عـوقـبـوا سـابقـاً ومنهم الملا عـبـداللـه اسـمـاعـيل وذلك بقـرار من مؤتمر الحزب الذي عقد في بغداد”

وكـان من بين الذين جـرى توقـيـفـهم خـلال تلـك الفـوضى عطاء الله اغـا رشـيـد وهو رجل مـسن كـان يناهز الثـمـانين من عـمـره مع شـقـيـقـه مـوسى رشـيد اغـا وهما مـن عائلة شـهيـرة في اربيل وكـلاهما عـم الشهـيد رمـزي نافع اغـا الذي ورد ذكـره انفاً، وكـان عطاء الله اغـا قـد فـقد ذاكـرته قـبل ذلك التأريخ بعدة اعـوام ولم يكن يميز بين الاشخاص سـوى اشقائه وابنائه ولم يكن على عـلم بما يدور حـوله ولايعـرف شـيـئـاً عن الثـورة ونتـائجـهـا،وقـد بقي هؤلاء رهن التوقـيف لعـدة اسابيع في احـد المواقف في كركـوك، واخيـراً تقرر اطلاق سراحـهم دون توجيـه أية تهمة اليـهم أو دون اجراء أي تحقيـق معهم، بعد ان لاقـوا الاهانات والتعذيب النفسي، وعند مـغادرتهم التوقـيف سأل عطاء الله اغا المذكور شـقيقه مـوسى فيما اذا كـان قد دفع اجـرة الفندق أم لا؟! فـتـصـور بأن ذلك الـ(مـتـآمـر) كـان يعـتـقـد بانهم في سـفر وانهم من نزلاء أحـد الفنادق!! وهذا مـثال علـى الفوضى التي عـمت البلاد وعلى حالات انتهاك القوانين، فكيف لايخلق هذا الوضع الحقد في قلوب المواطنين وكيف نريدهم أن يكونوا مؤيدين للنظام وموالين له!؟
وقـد اسـتـمـر ذلك الوضـع لعـدة أشـهـر الى ان تم السـيطـرة عليـه بعض الشيء تـدريجــيـــا، وأدت تلك الاعــمـــال وكــذلك الـفــوضى الـى اضطرارعـبدالكـريم قاسم الى كـبح جـمـاح تلك الفئـات المخـتلفـة بصورة تـدريجيـة وعلى مــراحل، لكن روح الـعـداء والانتــقــام قـد زادت ووصـلت الكراهيــة والحقد الى درجـة صعب فيهـا رأب الصدع، وبدأت كل فئة تنتـهز الفرص للانتقـام من الفئـة الاخرى، وبدأ بعـضهـا يتآمر علـى نظام الحكم ويعتـبره سبباً لتفاقم الاوضاع.
هذا كل مـا أعـرفه عن احـداث حـركة عـبـدالوهاب الشـواف في الموصل, وقُـدم الضبـاط المشتركون في الحـركـة وغيـرهم من الضـبـاط والمدنيين الى مــحكمــة الشـعـب حـيث حُـكم مـعـظمـهـم بالاعـدام ولابـد ان اشـيــر الى ان عبدالكريم قاسم بقي صــديقـا لأسـرة الشــواف رغم القـضـاء علـى حـركـة الشواف ومقـتله وان شقيقـه الآخر الطبيب محـمد الشواف أستمر في منصبـه وزيرًا للصحة حتى زوال نظـام حكم عبد الكريم قاسم في 8 شـباط1963.
* ومـاذا عن احتـفـال عيـد نوروز الذي أقـيم في بغـداد بحـضور الزعـيم عبدالكريم قاسم يوم 21 آذار 1959؟
– بعـد احـداث حـركة الشـواف صـادف أن سـافـرت من اربيل الى بغـداد حـيث أمضـيت هناك بضـعة ايام لمتـابعة اعـمـالي الخاصـة،وكان الهـيجـان والعنف قـد بلغـا أوجـهمـا واخـتلط الحـابل بالنابل وضـاعت سلطة القـانون وكـانت الجـمـعـيـات الـفـلاحـيـة والنقـابات والمقاومة الشـعــبـيـة والمنظمات الجمـاهيرية والمهنية الاخرى الموجودة هي صاحبـة السلطة، وأدى ذلك الى الاسـتـيـاء الشديـد والتأثـير السـيء وترك لدى الكثـيـرين وخاصـة ضـبـاط الجيش والقوميين وقعاً سيئاً وروحاً انتقامية.
وفي تلك الظروف ضـاعت اعـتبـارات الصداقـة والعـلاقات الاجـتمـاعيـة ولعب الانتـهازيون دورًا كـبيرًا في ذلـك وسايرهم الحـزب الشيوعـي وعمت الفـوضى وضـاعت المقاييس حـتى ان المحاسن الـسابقـة لم يحـسب لهـا أي حـسـاب وقــد ندم الحـزب الشـيــوعي على ذلك كـثــيـراً فـيـمــا بعـد وأحس باخطـائه ونتــائجــهــا، وأورد مــثــالاً بســيطاً على هـذه المواقف وكــيف ان الصداقة والاعتبارات الاجتماعية لم تبق لها اية قيمة.
كـان المرحوم نافع يونس مـسؤولاً عـن الحزب الشـيوعي في اربيل اواخـرالعـام 1947 وكان من خـريجي كلية الحـقـوق وتربطه بنا علاقـات صداقـة وخـاصة مع شـقيـقي كاك احـمد وأنور، وقـد صدر امـر القاء القـبض بحقـه لاتهـامه بالشـيـوعيـة فـاختـفى بضـعة ايـام في اربيل ثم طلب من شـقيـقي كـاك احـمـد تهــريبـه من اربيل وقـد جـرى تهــريبـه ونقله بسـيــارة شـقـيـقي الخــاصــة الى قــريـتنا دوگــردكــان وتم إخــفــاؤه في دار احــد وكــلائـنا وهو پيــرداود الحــاج خـليل وبقي فــتــرة هـناك وهيــأت له كـل وســائل الخــدمــة والراحـة، ثم جـرى تهـريبـه من قـبل شـقيـقي ايضـاً وبسـيـارته الخـاصـة الى الموصل ومنهـا الى بـغداد حـيث بـقي هناك مـخـتـفـيـاً الى ان القى القـبض عليــه وحكـم لمدة عــشـر سـنوات واطلق ســراحــه بعــد ثورة 14تموز العــام 1958.
في ربيع العام 1959 وبعد حركة الـشواف أصبح نافع يونس مرة أخرى مسـؤولا للحـزب الشيـوعي في أربيل، فذهبنا كـاك احمـد وانا الى مقـرهم للترحيـب به والسلام عليه، وقد اخـبرناه عن طريق الاستعـلامات بوجودنا وبعــــد انتظـار زهاء نـصف الســــاعـــة اخــــبـــرنا الـسكرتـيـــر او مــــســـؤول الاسـتـعـلامات بأن الـرفيـق نافع لايتـمكن من اسـتـقبـالنا ويـقول ليـراجـعـا الجـمـعيـات الفـلاحـية فـيـمـا اذا كان لديـهمـا أمـر مـا!! فغـادرنا ذلك المقر ونحن نهــز رؤوسنا باسـتـخـفــاف من هذا الاسلوب هذا مـثــال واحـد على تصـرف بعـض الاخـوان في الحـزب الشـيــوعي، واني آسف للمـصــيـر الذي لاقاه المرحوم نافع يونس بعد ذلك.
وخــلال زيارتي لبــغــداد كنت أقــيم فـي دار شـقــيــقي الطـبـيـب انور في منطقة المسبح وكان يومذاك طبـيباً احتـياطاً في الجيش، وقـد تلقى بطاقة دعوة من الحزب الـديمقراطي الكردستاني لحـضور احتفال عـيد نوروز الذي كـــان قـــد تقـــرر أقـــامـــتـــه يوم 21اذار 1959 في قـــاعـــة الخلد -عـلى مــاأعــتــقــد- وكـان الجـناح اليــســاري في الحــزب مــســيطراً على المكتب السياسي انذاك.
ولما كان شـقيقي انور مكلـفاً بواجبـات الخفارة في المستشفى فـقد طلب مني حضور الاحتفال ببطاقته فـذهبت الى القاعة وحضرت الاحتفال وكان الجو السياسي السـائد في البلاد قد جرى سريانه في قاعة الاحـتفال حيث كــان الســبـاق يـجـري مـع الحـزب الـشـيــوعي علـى تبني ورفع الشــعــارات اليسارية المتطرفة وكذلك الهتافـات المختلفة التي كانت تشم مـنها رائحة الفـوضى، وقد لاحظت ان رئيس الحـزب مصطفى البـارزاني وكذلك مـعظم اعضاء قيادة الحزب الذين كنت اعرفهم كونهم من اصدقائي كانوا غائبين عن حضور الاحتفـال، وألقى حمزه عبدالله سكرتير الحزب انذاك كلمة الحزب خلال الاحتفال وكانت الكلمـة اكثر يسارية وتطرفا من كلمة الحزب الشــيــوعـي والتي القــاهـا جــمــال الحــيــدري وفي تلـك الاثناء حــضــر الاحتـفال الزعـيم عبـدالكريم قاسم رئيس الوزراء وسط تصـفيق وهتـافات ضاع علينـا مفهـومها من شـدة الضجـيج والفوضى، ثم ألقى الزعـيم كلمة مطولة تطرق فيـها الى انجازات الثـورة واعلن في كلمتـه عن خطوة وطنية مـهـمة اخـرى لا أتذكـرها بالضـبط (فـيـما اذا كـان الاعـلان عن الخـروج من حلف بغـداد أو منطقـة الاستـرليني أو ماشـابه ذلك) وكـانت تلك هي المرة الوحـيـدة التي شـاهدت فيـهـا عـبـدالكريم قاسـم مبـاشـرة، وقـبل ذلك كنت اشاهـده في التلفزيون أو مـاراً بسيـارته في شوارع بغـداد ملوحاً بالـتحـية لابناء الشــعب،وبعـد ان تم تقديم بعض الـفـعـاليـات الكردية كــالدبكات والاغاني غادرت القاعة قبل انتهاء الاحتفال بمدة قصيرة.
وبعـد مغـادرتي القـاعـة ذهبت الى فندق تروكـاديرو للقاء ابـن عمي حسن كانبي الذي كان قد جاء الى بغداد لتوديع شقيقه محمود المقيم في المانيا والذي كـان قــد عـاد الى العـراق يومـذاك لزيارة أهلـه، وفي الفندق التـقيت بالملا عـبدالله اسـماعـيل الذي كان عـضواً في اللجنة المركزية للحــزب الديمقراطي الـكردسـتـاني وعـلى عـلاقـة غــيـر حــسنة بالمجـمــوعـة اليسارية المسيطرة على المكتب السياسي للحزب واعتقد انه كان قد جُمد في الحـزب آنذاك، ولما كنت قـد قررت العـودة الى أربيل مع حـسن كـانبي في اليوم التالـي فقد قرر الملا عبـدالله اسماعيل العودة مـعنا أيضاً، وفي صباح اليوم التالي وكان الجو ربيعيا غادرنا بغداد عائدين الى أربيل و اثناء مـغـادرتنا بغـداد كنا نرى تجـمعـات صـغـيـرة هنا وهناك تهـتف بحـياة عـبدالكريم قـاسم وبسـقوط جـمال عـبدالنـاصر، وكـانت التجـمعـات والشـعــارات كـيـفــيـة وبدون تنظيـم أو توجـيـه، وبينـمـا كنا نتــزود بوقـود السيـارة من احدى محطات التـعبئة صـادفتنا مجـموعة اخـرى وهي تهتف بأن جمـال عبـدالناصر قـد أغتـيل فأسـتهـزأنا من هذه الاخبـار وسخر مـنها الملا عـبداللـه بالذات كثـيـرا، ثم تركنا بغـداد ووصلنا أربيل مـساءً بسـبب صعـوبة الطريق من جراء كثًرة الاوحـال نتيجـة هطول الامطار، واتذًكر في احـدى المرات ترجل الملا عبـدالله من السـيارة وبدأ بـدفعـها الى الامـام مع حسن كانبي وقد تلوثت ملابسه بالوحل.
وهكذا مــرت الايـام ثم هدأ الوضـع قليــلاً وكــان البــارزانـي قــد تدخل شخصياً لمعالجة الموقف في المكتب السياسي فأزاح حمزة عبدالله سكرتيرالحزب مع بعض الاعضاء من ذوي الميول اليسارية المتطرفة وجاء بابراهيم احمـد سكرتيراً جـديداً للحـزب ورفع التجـميد عن الاشـخاص الذين كـانوا قـد عـوقـبـوا سـابقـاً ومنهم الملا عـبـداللـه اسـمـاعـيل وذلك بقـرار من مؤتمر الحزب الذي عقد في بغداد.
////////////////////////
ثم أصـبح عـبـدالـكريم قـاسم نفـسـه يسـتـاء من الـوضع وأحس بأن زمـام الامـور يكـاد يفلت من يديه لـذا غــيـر سـيــاسـتـه المؤيدة لـلحـزب الشــيـوعي العــراقي وبدأ باتـخـاذ اجــراءات عكسـيــة، وقـد أدى تغــيـيــرالســيـاســة بهــذا الشكل وتغــيــيـر المواضع والحلفــاء الى اسـتــفــادة بعض الانتـهازيين من اسـتغـلال تلك الظروف واستـغلال عـبدالكريم قـاسم نفـسه لتحـقيق مآربهم الخاصـة ولمصلحة الفئـات التي ينتمون اليهـا أو يؤيدونها سراً وقـد تبلور كل ذلك بعد14 تموز 1959 أي بعـد الاحتفـال بالذكرى الأولى لقيام ثورة14 تموز.
وكــان مـعظم الـضـبــاط المشاركين في احـداث حــركــة الشـواف وكــذلك المعارضين لحكم عبدالكريم قاسم قد قـدموا الى المحكمة العسكرية العليا الخـاصــة (مـحكمــة الشـعب) التـي كـان يرأسـهــا العـقـيــد فـاضل عــبـاس المهداوي وقد حكمت المحكمة على معظمهم بالاعدام، وفي 20 أيلول 1959 نفـذت فيـهم احكام الاعدام رمـيـاً بالرصاص في سـاحة أم الطبـول ببغـداد، كذلك نفـذت احكام الاعدام بسـعيد قـزاز وثلاثة آخرين من كـبارالمسؤولين في العهد الملكي.