تأريخ السكك الحديدية في اربيل

كتابة و اعداد / دلزار اسماعيل رسول

في الثمانينات….حينما كنت طفلا كنت أرى آثار السكك الحديدية في اربيل، فكانت مثاراً لاعجابي، ولو أنها كانت معطلة، ولكن آثار هذه الاوتاد العملاقة المتراصة على الارض، كأنها أفعى أناكوندا عملاقة، ممتدة الى ما تصل اليه مدى بصري الطفولي، بقيت راسخة في كياني، وكلما سافرت الى الخارج و رأيت خط سكة الحديد ، تذكرت طفولتي…لذلك احببت ان أتقصى تأريخها في مدينتي و اسباب ايقافها …
تم إنشاء خط السكك الحديدية في أربيل وبدأ العمل به فعلياً في منتصف القرن العشرين، وتحديداً وفق التواريخ التالية
* سنة 1949: بدأت أعمال تمديد خط السكة الحديدية من مدينة كركوك باتجاه أربيل (بطول يقارب 105 كم)

* سنة 1950: وصل أول قطار رسمياً إلى محطة أربيل، ليربط المدينة بشبكة السكك الحديدية الوطنية التي كانت تصل إلى بغداد والبصرة.

وكان مسار الخط جزءاً من “خط متري” (سكك ضيقة العرض) يربط بغداد بكركوك ثم يمتد إلى أربيل، كان هذا الخط يُعرف بـ “الخط المتري” (Metre Gauge)، حيث كان عرض السكة (1 متر) أضيق من الخطوط القياسية العالمية (Standard Gauge) التي تم اعتمادها لاحقاً في العراق، و ينطلق القطار من بغداد (محطة شمالي بغداد) \leftarrow بعقوبة \leftarrow كركوك \leftarrow وينتهي في أربيل).

الهدف الأساسي هو نقل المسافرين والبضائع (خاصة الحبوب والمواشي) بين كوردستان العراق ووسطه، بالإضافة إلى خدمة شركات النفط في كركوك.
ولكن لماذا توقف الخدمة وما هي اسباب إغلاق الخط:
التوقف بدأ تدريجياً منذ منتصف الثمانينيات، بعد الإغلاق تعرّضت محطات وجسور ومنشآت على طول الخط للهدم أو الإهمال، وبعضها أزيل لاحقًا.أو تضرر بشده، وتم الإيقاف النهائي في 15 أيار/مايو 1988 بأوامر من «مكتب رئاسة الجمهورية»، استمر الخط بالعمل لعدة عقود، لكنه بدأ يواجه مشاكل فنية لكونه “خطاً ضيقاً” وبطيئاً مقارنة بالقطارات الحديثة، وتم إيقافه نهائياً في عام 1984،تقريباً للأسباب التالية:

* تحديث الشبكة: توجه العراق نحو استبدال الخطوط المترية القديمة بخطوط قياسية عريضة وسريعة (مثل خط بغداد-الموصل).

* تغير المسارات: تم إنشاء خط جديد عريض يربط (بيجي – كركوك) في أواخر الثمانينات، مما جعل الخط القديم (بغداد – كركوك – أربيل) غير ذي جدوى اقتصادية وتم تفكيكه لاحقاً.

* اقتصاديًا: أصبح الخط القديم (قياس متر) غير اقتصادي عندما تم بناء خط سكة حديدية جديد بقطار “قياس معياري” (standard-gauge) يربط بغداد بكركوك. هذا الخط الجديد كان أكثر فاعلية ويوفر تكاملًا أفضل مع الشبكة الأخرى، حيث أنه بعد قرار تحويل وتوسيع شبكات السكك العراقية إلى القياس المعياري (standard gauge)، أصبح خط بغداد-أربيل القديم ذي «القياس المترى» غير اقتصادي وغير متوافق مع الشبكة الجديدة، فخُطط واستُثمر في خطوط معيارية بديلة مما جعل الخط القديم مُعرضًا للتوقّف.

* سياسيًا: هناك بعد سياسي أيضًا، حيث أن قطع خط السكك الحديدية عن مناطق الكورد (مثل أربيل) سهل من عملية “العربنة” (التعريب) لهذه المناطق في تلك الفترة، أن إيقاف الخدمة كان له بعد سياسي، وسهّل سياسات التعريب وربط المناطق الكوردية بشبكات وخطوط تربطها أكثر بالغرب/المناطق العربية بدلاً من إتاحة وصول سهل للمناطق الكوردية عبر هذا الخط.

* أوامر رئاسية: بحسب المصادر، تم التوقف تدريجياً بين عامي 1984 و 1988 “بأمر من مكتب رئاسة الجمهورية العراقية” حتى تم الإيقاف النهائي في 15 مايو 1988بأمر أمر إداري تدريجي حتى الإيقاف النهائي (1984-1988) ، حيث أنه توقف الخط تدريجياً بأوامر من «مكتب رئاسة الجمهورية» بين 1984 وبدأ الإيقاف النهائي في 15 مايو 1988.

* سياق أمني وإنساني (حملة الأنفال 1988 وما سبقها) — عام 1988 شهدت الحكومة العراقية عمليات قمع وحملات عسكرية ضد الكورد (حملة الأنفال)، وهو جزء من السياق الزمني والسياسي الأوسع الذي رافق سياسات إضعاف البنى التحتية والخدمات في مناطق الكورد آنذاك ، و هذا يعطي بعدًا أمنيًا وإنسانيًا لقرار فصل الخط وربما لتدمير بعض منشآته لاحقًا.

لا يخفى على أحد هذه الحملة العمرانية في اربيل، بعد تولي الحكومة الكوردية مقاليد الحكم بعد الانتفاضة الربيعية سنة 1991، حبذا لو التفتت القيادة الكوردية الى اعادة تشغيل السكك الحديدية مع باقي مدن العراق، و أيضا تتولى قفزة نوعية لربط اربيل مع باقي بلدان العالم و خصوصاً دول الجوار، لكي تتوافق مع ما تمر به الاقليم من سابقة عالمية من التمييز على الصعيد العمراني و البنى التحتية….نرجو ذلك من كل قلوبنا….و غداً لناظره قريب….

قد يعجبك ايضا