عبد الغني عجو
قراءة في التحولات المقبلة بين تركيا وسوريا ودور واشنطن
لم يكن منتدى ميس السلام في دهوك اجتماعًا عابرًا، ولا مجرد منصة للنقاش. بدا المشهد أشبه بافتتاح مرحلة سياسية جديدة، تُصاغ ملامحها داخل هدوء الإقليم وترقّب القوى الدولية. فاللقاء الذي جمع شخصيات تركية مؤثرة مثل أحمد داوود أوغلو مع وفود من قوات سوريا الديمقراطية، وتحت رعاية قوى سياسية في كوردستان، حمل رسائل تتجاوز حدود دهوك نحو أنقرة ودمشق وواشنطن على حد سواء.
إن تأجيل الحوار بين قسد وحكومة دمشق ليس سوى نتيجة طبيعية لانسداد الرؤية السياسية داخل النظام السوري. فدمشق، المُنهكة والمُقيَّدة بتحالفاتها، لا تزال تتمسك بذهنية ما قبل 2011، بينما الواقع على الأرض تغيّر تمامًا. قسد، بدعم أمريكي مستقر، أصبحت رقماً صعباً في سوريا، وواشنطن تعلم أن أي تفاهم نهائي في سوريا يبدأ من هذه النقطة تحديداً. ولذلك، فإن تعليق الحوار مع دمشق ليس توقفاً، بل هو انتظار محسوب لنتائج التحول الأكبر الذي قد يبدأ من أنقرة.
تركيا، التي كانت الفاعل الأكثر تأثيرًا في الملف السوري، تعيش لحظة ارتباك داخلي غير مسبوقة. الأزمة الاقتصادية، وتآكل شرعية حزب العدالة والتنمية، وتصاعد الغضب الشعبي، تجعل واشنطن ترى أن الانتخابات الرئاسية المقبلة قد تكون نقطة الانعطاف الأكبر في مستقبل السلطة. فاستمرار الحزب الحاكم يعني استمرار نهج الصدام مع المشروع الكوردي في تركيا وسوريا، بينما التغيير يحمل فرصة لإعادة هندسة العلاقات التركية – الكوردية بعمق غير مسبوق منذ انتهاء مفاوضات إيمرالي.
واشنطن تضع عدة سيناريوهات على طاولة عملها السياسي. السيناريو الأكثر تداولاً داخل مراكز الدراسات الأمريكية هو دعم صعود شخصيات براغماتية من داخل الطبقة السياسية التركية السابقة، مثل أحمد داوود أوغلو وحلفائه، كبديل عقلاني قادر على إعادة تركيا إلى محور الغرب، وتعديل مقاربتها تجاه القضية الكوردية. ويرى صانعو القرار الأمريكي أن معالجة الملف السوري تتطلب أولاً تغيير المزاج السياسي داخل أنقرة، وإزاحة العائق الأكبر أمام الحل السياسي نهج العدالة والتنمية.
ولذلك، فإن ظهور داوود أوغلو في دهوك وفي فعالية تشارك فيها قسد لم يكن صدفة. إن الرسالة واضحة واشنطن تتجه إلى تهيئة تواصل غير مباشر بين شخصيات تركية قريبة من مشروعها وبين القوى الكوردية السورية. هذه خطوة تمهيدية نحو لحظة سياسية قد تُفتح فيها قنوات رسمية بعد الانتخابات التركية، إذا ما تغيرت خارطة الحكم في أنقرة.
الإشارات نفسها تنسحب على المشهد الأوسع. إسرائيل تعيش أسوأ مراحلها الأمنية والسياسية منذ عقود، ولبنان على حافة انهيار شامل، وسوريا في حالة تجمّد، وتركيا في حالة قلق وجودي. هذه العناصر تمنح الولايات المتحدة مساحة لإعادة بناء توازنات إقليمية جديد، يكون فيه للكورد موقع مركزي كقوة عسكرية فقط، بل كعامل استقرار استراتيجي تمتلك واشنطن القدرة على توظيفه.
أما إقليم كوردستان العراق، فقد أصبح فعليًا مركز التشغيل السياسي لهذا التحول. فرغم الضغوط الاقتصادية والسياسية، حافظ الإقليم على قدرته في لعب دور الوسيط الهادئ، وجذب الأطراف المتضاربة إلى طاولة واحدة. منتدى ميس السلام لم يكن ليعقد بهذا الشكل في أي مدينة أخرى. إن استضافة قسد وشخصيات تركية، في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، يعكس ثقة دولية بدور الإقليم وقدرته على إدارة التوازنات.
واشنطن تنظر إلى الإقليم باعتباره قاعدة المشروع المستقبلي لاستقرار كوردستان سوريا وتحوّلات تركيا، وكرابط جيوسياسي بين العراق وسوريا وتركيا. يشير حضور ممثلي القوى الدولية في المنتدى إلى أن الإقليم سيبقى الغرفة الخلفية التي تُطبخ فيها التفاهمات وتحويلات المسارات.
تدلّ كل هذه المؤشرات على أن الشرق الأوسط يقف على عتبة إعادة تشكيل واسعة، قد تبدأ من أنقرة وتمتد إلى دمشق وتمسّ ملفات كبرى مثل القضية الكوردية، والعلاقة التركية – السورية، والتوازن في العراق، والاصطفاف في لبنان وفلسطين. الكل ينتظر اللحظة التي ستقرر فيها واشنطن فتح الباب: لحظة الانتخابات التركية.
دهوك، بموقعها ورمزيتها، قد تكون أول مكان يُعلن عنه هذا التحول قبل أن تتلقفه العواصم الكبرى. فالمشهد هناك لم يكن مجرد لقاءات، بل كان اختبارًا ناعمًا لردود الفعل، ومحاولة لقياس مدى تقبّل الأطراف لمرحلة سياسية جديدة، قد تتجاوز خطوط الصراع الطويلة بين أنقرة والكورد، وتمهّد لتسوية شاملة لمستقبل سوريا وسياسة تركيا في المنطقة.
ما يجري الآن يشبه ما قبل العاصفة… لكنه هذه المرة ليس عاصفة حرب، بل عاصفة تغيير سياسي تُصاغ ملامحها من دهوك إلى واشنطن، مروراً بأنقرة ودمشق. ومن يقرأ هذه الإشارات جيدًا سيدرك أن السنوات القادمة ستشهد تحوّلًا يعيد رسم شكل المنطقة وحدود النفوذ فيها، وقد يعيد فتح الأبواب التي أُغلقت منذ سقوط مشروع السلام التركي – الكوردي قبل عقد من الزمن.
*عضو مكتب السياسي للحزب الديمقراطي الكوردي في سوريا البارتي