الكورد… من الهامش إلى قلب المعادلة السياسية بعد 2003

أحمد زبير باني

لم يعد الكورد في العراق مجرد رقم في المشهد السياسي، ولا مجرد أقلية تبحث عن اعتراف دستوري. فمنذ عام 2003 وحتى اليوم، تحوّلوا تدريجيًا إلى أحد أهم اللاعبين في صياغة القرار السياسي العراقي وإعادة تشكيل خرائط النفوذ في مرحلة ما بعد النظام السابق. هذا التحول لم يكن وليد اللحظة؛ بل امتداد لمسار تاريخي طويل، مفعم بالتضحيات والإصرار على البقاء في قلب الشرق الأوسط رغم العواصف.

من ذاكرة الألم إلى لحظة الفرصة

على مدى عقود، عاش الكورد على هامش الدولة العراقية. حملات الأنفال، قصف حلبجة، وسياسات التعريب القسري لم تكن مجرد انتهاكات عابرة، بل شكّلت جرحًا عميقًا في الوعي الجمعي الكوردي.

ورغم ذلك، نجح الكورد في تحويل هذا الألم إلى طاقة سياسية واجتماعية، وخلقوا واقعًا جديدًا بعد عام 1991 حين تشكلت أولى ملامح الإدارة الذاتية في شمال العراق، في تجربة سرعان ما أثبتت قدرتهم على إدارة شؤونهم وبناء مؤسسات مستقلة وفاعلة.

2003.. نقطة التحول الكبرى

شكّل سقوط النظام السابق عام 2003 فرصة تاريخية للكورد. فقد شاركوا بفاعلية في صياغة دستور 2005، وكانوا شركاء مؤسسين للعراق الجديد. اعترف الدستور بالفيدرالية وبإقليم كوردستان ككيان يتمتع بصلاحيات واسعة، لتتحول العلاقة بين بغداد وأربيل من علاقة صراع إلى علاقة شراكة — ولو على الورق في بعض المراحل. وبذلك، انتقل الكورد من الهامش إلى مركز صناعة القرار، سواء عبر البرلمان الاتحادي أو عبر الحكومات المتعاقبة.

شراكة سياسية وصعود إلى المناصب العليا

ساهم الكورد بفعالية في تشكيل معظم الحكومات العراقية بعد 2003، وامتلكوا حضورًا نوعيًا في مواقع حساسة مثل:

• رئاسة الجمهورية
• وزارة الخارجية
• مواقع أمنية وعسكرية قيادية
• لجان مؤثرة داخل البرلمان

هذا الحضور لم يكن شكليًا، بل نتاج وزن سياسي حقيقي فرضه الكورد عبر وحدة موقفهم داخل بغداد، وتماسك مؤسسات الإقليم التي تطورت بوتيرة أسرع من محافظات العراق الأخرى.

البيشمركة… قوة يصعب تجاوزها

برزت قوات البيشمركة كعامل حاسم خلال الحرب على تنظيم داعش. فبينما انهارت خطوط دفاع عديدة خلال عام 2014، صمدت البيشمركة، وحمت حدود الإقليم، وشاركت في تحرير الموصل وسنجار وكركوك.

منحت الحرب على داعش البيشمركة شرعية عراقية ودولية على حد سواء، باعتبارها قوة منظمة وموثوقة وشريكًا رئيسيًا للتحالف الدولي. ومن هنا، تعززت صورة الكورد كركيزة أساسية لاستقرار إقليم كوردستان العراق.

مرحلة ما بعد 2017… اختبار التوازن السياسي

أدى استفتاء الاستقلال في 2017 إلى صدام سياسي حاد مع بغداد وتراجع في بعض المكاسب الميدانية. ورغم ذلك، تمكن الكورد من العودة سريعًا إلى قلب العملية السياسية، إذ جعل الانقسام الشيعي–الشيعي وتعدد مراكز القرار داخل بغداد الكتل الكوردية (بيضة القبان) التي لا يمكن لأي تحالف سياسي تجاهلها.

نفط وطاقة… الورقة الأقوى في يد الكورد

يمتلك إقليم كوردستان أحد أهم مفاتيح المعادلة النفطية في العراق. فهو يتمتع بموارد مستقلة وبنية تحتية للتصدير، وأصبح جزءًا من مفاوضات معقدة بين بغداد وأربيل ومع أطراف دولية كتركيا والشركات العالمية. وهذا منح الكورد مساحة مناورة واسعة وورقة ضغط فاعلة في أي تشكيل حكومي أو تفاوض سياسي.

الكورد اليوم… شريك لا يمكن تجاوزه

رغم التحديات والانقسامات داخل البيت الكوردي، ما يزال الكورد يحتفظون بدور مؤثر في صياغة القرار العراقي. لا حكومة تُبنى دون موافقتهم، ولا قانون استراتيجي يمرّ دون التفاهم معهم. كما يشكلون عامل استقرار مهمًّا في إقليم كوردستان، ويمتلكون شبكة علاقات دولية تمتد من واشنطن إلى أنقرة وطهران وأوروبا.

الخلاصة… من التاريخ إلى المستقبل

نجح الكورد، عبر مسار طويل من النضال والعمل السياسي، في التحول من شعب يعاني التهميش إلى فاعل استراتيجي في العراق الجديد.

اليوم، ومع إعادة تشكّل المشهد السياسي العراقي وتغيّر خرائط الشرق الأوسط، يقف الكورد أمام مرحلة جديدة مليئة بالفرص والتحديات. لكن المؤكد أنهم باتوا جزءًا أساسيًا من موازين القوى في المنطقة، ولا يمكن لأي مشروع سياسي في العراق تجاهل دورهم أو القفز فوق وجودهم

قد يعجبك ايضا