العراق احوج ما يكون لمصالحة كبرى

.
فاضل ميراني*

لم يبق من موسم الانتخابات بعد ان يتم حسم الطعون، سوى المصادقة على نتائج الانتخابات، وهذا يعني الزام الفائزين الايفاء بوعودهم الانتخابية التي تصب في مصلحة العراق، الدولة التي دفع مجتمعها عقودا من عمره جراء سياسات احادية، اضرت نسيجه المجتمعي، و حرفت مسار اجيال منه عن طريق السلامة، و بركت به ارضا، و لجمت استحقاقات تقدمه.
حتى وان كانت التجربة الديمقراطية حديثة نسبيا على التجريب في العراق، الا ان المسؤولية الملقاة على عواتف و مناكب العراقيين في سبيل بلادهم لابد ان تكون منبهة للجميع للمكاشفة مع الذات و الاخرين و بواقعية صميمية لإحداث عمل وطني جماعي سياسيا و اجتماعيا، يكون بمثابة سد أمان لحياة افضل، يحول دون تصحّر يفتت و يجفف تربة المواطنة و الوطن.
انا نُذُر الخطر الداخلي و الخارجي و المتراكم منهما بسبب سياسات الاقصاء، و المتوقع منها لو استمر هذا التشظي، كل هذه النذر كفيلة بأستشعار الخطر الداعي لمؤتمر داخلي وطني يسجل فيه زعماء القرار العراقي موقفا كبيرا لشعبهم و تاريخه و مستقبله، يسبقه ترتيب لتصفير مشاكل التنازع داخل البيوت السياسية للمكونات، سنية فيما بينها و شيعية وما تضمه و كوردستانية و ما بها.
ان مشاكلنا تبدأ من مواجهة و قراءة مدى استيعابنا لدستورنا الذي كتبناه و استفتينا انفسنا على قبوله، وما كان لتنجرف الامور داخليا لو اننا تقيدنا به، تقيد الواعي الشجاع. وكذلك ما كنا لنخسر اقليميا و نصبح على الهامش.
ان عدم مواجهة المشاكل و ترحيلها و لي رقاب الحقائق و تجاوز السلطات بعضا على بعض، وانسحاب التجاوز ليضرب في اعلى و اسفل السلم السياسي و الاجتماعي و التنافر القومي و المذهبي، كلها امور فاقمت من خذلان المجتمع و ضمور ثقته بأغلب القوى السياسية، وعليه صار لازما التوجه و العودة نحو المربع الذي تم اهماله و بني على اساسه كل هذا المخزون الكبير من المشكلات التي اذت العراقيين و العراق، اذتهم بحياتهم، و اذت ارض العراق و مكانته و موارده. الا وهو مربع الدستور الذي يرسم قويم الدرب ان تم التقيد بنصوصه، و بعكسه فهو الضلال.
ان عراق الحضارات، و مهبط الانبياء، و مراقد الصالحين، و اول من سن الكتابة و القانون، و شهد التجاور و التعايش السلمي، لا يستحق ان يتسبب له قسم من اهله بخسارة تضر بسمعته و تزحزحه عن مكانته الكبرى.
ان شواهد التاريخ سجلت للعراقيين النزاهة و الامانة و الصدق، و اثبتت لهم الايثار و التعاطف و النخوة، و اختارهم القدر ليكونوا عونا للمظلوم و خصما للظلم، اذ لم يعرف عنهم استشراء فساد، و لم تخزهم سمعة الخنوع و القبول بالذل، بل كنا دوما سراع لابعاد الباطل عن سطوته، متسامحين، حريصين على الامانة، موقنين بأن عين الغيب و القلم لا تغادر صغيرة و لا كبيرة.
آن الاوان لتلعب القوى الوطنية دورا محوريا يعيد الثقة التي تكاد تتلاشى، فيصار الى تكليف ذوي التخصص بالعمل، و اعمال الثقة بطاهرة اليد و صدق اللسان و الوعد.
آن الاوان لنثبت ان عقولنا ذات سعة و لها ارادة الفهم و الافهام، من ان بلدنا اختار عنوانه الذي لابد ان يتوافق مضمونه مع مفهومه، فهو جمهورية اتحادية ديمقراطية، وهذا العنوان ليس حمال اوجه، بل هو نص واضح مجرد.
ان العراق بعربه و كورده و تركمانه و كلدو اشورييه و مندائييه، و كل قواه الفكرية و العقائدية العاملة في الضوء، و كل شعوبه، يهمها حياتها الامنة المستقرة، و سندها لابد ان تكون سلطات نزيهة متمكنة واعية قوية، منزهة عن سوء السمعة، لا تداخل و لا قوى تحت الارض و لا دولا عميقة.
ان المصالحة و المكاشفة و المسامحة و الهوية الوطنية و السيادة الكاملة و التراص الاجتماعي و السمعة الناصعة، هي ثمار قريبة سنجنيها ان احترمنا دستورنا و نفذنا وعودنا تحت جامعة هوية وطنية بلا تفرقة و لا انتقاء.
ان البقاء على هذا التكاسر و التضاد و حوز النار لقرص دون اخر، انما هو تشويه و نشوة لا تكاد تدوم و ذنبها لا يُمحى من الوجدان.
ان بلادنا تستحق منا و لها علينا و لأهلها علينا كل الحقوق، و نحن كلنا الان علينا واجب انقاذ مشروعنا الجامع المتمثل بالوفاء للعراق و شعوبه، وفاء صادقا، دستوريا و قانونيا، و حزبيا و سياسيا، قضائيا و نيابيا و تنفيذيا.
لا نريد ان نكون ممن منّ الله عليهم فلم يشكروا نعمته.

*مسؤول الهيئة العاملة للمكتب السياسي للحزب الديمقراطي الكوردستاني

قد يعجبك ايضا