لمناسبة صدور ديوانها “صندوق عتاب”.. الشاعرة الكوردية كولالة نوري: الشعر هو المجيب عن أسئلتي

التآخي : وكالات

تعيدنا الشاعرة الكوردية كولالة نوري بالشعر في زمن يغادر فيه شعراء قصيدة النثر منصاتهم وصومعاتهم لتعتلي هي منبر الشعر الحديث فاتحةً لنا صندوق عتابها في ديوانها الشعري الأخير “صندوق عتاب” الصادر عن دار الشؤون الثقافية ببغداد هذا العام 2025.

 

ليس لنا أن نصف كولالة نوري بالشاعرة وحسب، بل هي كاتبة وناقدة ومترجمة وحائزة على العديد من الجوائز العالمية في الشعر والترجمة الشعرية، وأعمالها تُرجمت للعديد من اللغات حول العالم.

توضح فلسفة الشعر وتجربة الكتابة بالنسبة لها قائلة: “بالنسبة لي، يُمثل الشعر أسلوب حياة وفلسفة خاصة بالشاعر، تتجاوز كونه مجرد قوانين لغوية أو عروض وقوافي. إن طريقة كتابتي للشعر لا تنفصل عن أسلوب حياتي وطبيعة وجودي، فالمكان والزمان يشكلان لغة إضافية لكل لغة أكتب بها الشعر. كما أن التجارب الإنسانية تعد جزءاً لا يتجزأ من تفاصيل الذروة في الكتابة، حيث تكمن الحرية الحقيقية”.

 

وترسم سيرة ذاتية عن نفسها بقصيدة “سيرة مختصرة”:

 

“لست نذيرة ولا مبشرة

بل جنين حياة

لأولئك الذين غضبوا كثيراً لأنهم لا يطيرون،

بكوا كثيراً في البدء ولم يضحكوا في النهاية.

لست سوى مساحة تتخيلونها

لعشقكم الذي تخلقونه في الاحتمالات”

 

الشاعرة كولالة نوري، التي لها 6 دواوين صدرت في العراق وخارجه:

 

لحظة ينام الدولفين 1999 – مدريد/إسبانيا،

لن يخصك هذا الضجيج 2001 – بغداد،

تقاويم الوحشة – بيروت 2005،

حطب 2010 – أربيل/العراق،

قبعات مكسورة – كركوك/العراق 2016.

 

وصدر لها مؤخراً ديوان بعنوان “صندوق عتاب” عن دار الشؤون الثقافية ببغداد، وهي حالياً مقيمة في الولايات المتحدة الأميركية.

 

في حديث عن الشعر والكتابة والمنفى، وبمناسبة صدور ديوانها الجديد “صندوق عتاب”، قالت لشبكة رووداو الإعلامية، اليوم السبت (22 تشرين الثاني 2025): “منذ خروجي من العراق، أصبحت أقرب إلى نفسي وأكثر قدرة على تناول جماليات الحياة اليومية التي لم أحظَ بها بسبب القيود الاجتماعية والمحاذير السياسية والفكرية. وكأنني وجدت عالمي الحقيقي الذي سُلب مني، فصرت أشتاق إليه وأعيده إليّ. قصائدي التي كتبتها في المهجر أو المنفى أصبحت متصالحة حتى مع الحزن، فلم أعد أسيرة له”.

 

انعتاقها من أسر النوستالجيا لم يمنعها من أن تفتح صناديق، وليس صندوق عتاب واحداً، تفضحه في قصيدتها “لدي صندوق عتاب”، حيث تبوح بحكايات لم تعد تعتبرها ضمن أسرارها:

 

“لدي عتاب..

بصوت الأحذية التي ثكلت من مرحها الراقصين

ودُجّنت في ركض أوتوماتيكي.

لدي عتاب في انعكاسات الضوء

من خاتم الماس المركون في ركن الصندوق

لدي عتاب على موتك الوحيد البعيد على فراش أثير بدوني

وعلى موتي المكرر كل سنة منذ ربع قرن”

 

تتحرر كولالة من قيود كثيرة، ليست آخرها الاجتماعية أو البيئية، بل حتى من الأطر التي كانت تكتب قصيدتها وفقها. هنا، في هذا الديوان، تذكرنا بقصائد الشاعرين الفرنسيين جاك بريفير ولويس أراغون، وكذلك بقصائد الشاعرتين الروسيتين مارينا تسفيتايفا ويوليا درونينا، وبالشاعر والمغني والكاتب الروسي فلاديمير فيسوتسكي، الذي ترجمت له بين عامي 2011 و2012 سيرته وقصائده من الروسية إلى العربية ثم إلى الكوردية. فهي درست الأدب الروسي وحصلت على شهادة اختصاص عليا فيه.

 

تجمع بين السرد والشعر في قصائد يومية تتحول إلى مرآة نرى خلالها دواخلنا أو تعبر عنا، تتحدث نيابة عن أحاسيسنا كمتلقين.

 

هي قصص بموسيقى شعرية وشاعرية، مفرداتها صيغت لتلك القصائد، أحداث تذكّرها بنفسها أو تذكّرنا بأنفسنا. صور جديدة على القصيدة العراقية خاصة، والعربية عامة، إذ ترك الشعر الأوروبي والأميركي والروسي أثره ليس فقط في صياغة قصيدة النثر التي تعتبر كولالة من أبرز مبدعيها، بل في اختيار الفكرة والموضوع وإجادة التقشف في اللغة وإيصال المعنى دون عناء التفسيرات المزدوجة.

 

وفي قصائد كثيرة، تعاملت معها كولالة أو أنا كمتلقٍ باعتبارها مشاهد مسرحية مختصرة، كما في “خيوط”:

 

“حين تتجمع الخيوط في يديك،

لا ترتبك في عدّها أو شدّها

بل تأكد أن تكون أصابعك كاملة

الخيوط همسك الوقور

لتعيد لشفاهي الحضارة”

 

هل هي خيوط الدمى التي تتلاعب بها الأصابع؟ يجب أن “تكون أصابعك كاملة” كي تحرك الدمى بحرية أو تحرك أقدارك بجدارة.

ولكن: ماذا تعني الكتابة بالنسبة لشاعرة وكاتبة ومترجمة تحمل شهادة الدكتوراه في الترجمة الإنكليزية كلغة ثانية، وماجستير في مقارنة سيكولوجية رؤية الشعر الأميركي الحديث والشعر العراقي حول الحرب العراقية، وعضوية مجلس جائزة هوميروس للشعر والفن الأوروبي في بروكسل نهاية عام 2016، وهي أول امرأة من العالم العربي تحصل على هذا التكريم؟

ونالت الجائزة الدولية عن أفضل كتاب لعام 2011 عن ترجمتها لحياة وقصائد الشاعر الروسي فلاديمير فيسوتسكي إلى اللغة العربية والكوردية في مهرجان خاص بالشاعر في كوزالين – بولندا.

 

تقول: “الكتابة بالنسبة لي هي طريق لفهم الذات والوجود، وهي روح فلسفية ترفض كل ما لا يتوافق مع الروح المنطلقة بلا قيود فكرية، من أجل إضافة مسحة من الجمال والتطلع نحو الأفضل. وتتطلب هذه الرحلة الكثير من التدريب على تشذيب التداخلات الفكرية والمنطقية”.

 

لكن الشعر يبقى هو المُعبّر عن ذاتها وعن دواخلها، وهو المجيب عن كل أسئلتها والذي يفلسف أسلوب حياتها. توضح: “لقد كان الشعر وما زال الحارس المتيقظ الذي يواجهني بأفكاري التي أقلق منها أو أخافها أو أؤكد ديمومتها. الشعر هو المساحات التي أفقدها هنا وهناك رغماً عني، لكنه أيضاً يجدد قدرتي على الوضوح باستمرار”.

 

في قصائدها القصيرة، التي تفسر سرداً طويلاً من تفاعلات داخلية تشتغل فيها كيمياء المفردات والمشاعر، تبرهن كولالة نوري قدرتها على قيادة القصيدة والمتلقي في آن واحد. كتابة القصيدة القصيرة أكثر صعوبة وتعقيداً من الطويلة، فهي توضح الصورة الشعرية والجوهر بتقشف، والتقشف في الإبداع هو بحد ذاته إبداع.

 

ببساطة، كانت التجربة التي خاضتها – وما تزال – هي التي نقلت هذه الشاعرة إلى مصاف آخر في صياغة القصيدة. والشعر هو بالتالي منجز إنساني، إضافة إلى كونه ذاتياً، لا يصنّف حسب بلد أو بيئة بل حسب تجربة الشاعر ذاتها.

 

ولهذا جاءت قصائدها، بالنسبة لي على الأقل، وباعتباري أقرأ منذ سنوات الدواوين المبكرة لكولالة نوري، فإنها أحدثت مفعول الصدمة (بمعناها الإيجابي) في العديد من قصائد ديوانها “صندوق عتاب”، مثل قصيدتها “تشريح الانتظار”:

 

“الانتظار

شجرة متسلقة حول الروح

كلما نمت غطّت مقبض الفؤاد

الندى انتظار بخار ليلٍ أُهمل

لكنه يعيد الرقة لوردة

على وشك الجفاف”

 

أسأل كولالة نوري، الشاعرة الكوردية التي مثلت العراق في عدة مؤتمرات ومهرجانات ثقافية دولية وعربية وفي التبادل الحضاري بين الأمم: أميركا، ألمانيا، فرنسا، هولندا، بولندا، تركيا، أوكرانيا، سوريا، الكويت، اليمن، مصر، لبنان، دبي، والأردن: أنتِ شاعرة كوردية لكنك تكتبين قصائدك باللغة العربية؟

 

تجيب قائلة: “مطالعاتي الكثيرة باللغة العربية وأنا صغيرة، ودراستي كانت باللغة العربية في كركوك. ومكتبة البيت كانت أكثرها كتباً عربية. هذا سبب كتابتي باللغة العربية. في كركوك هناك تنوع ثقافي وقومي وإثني. فلم يكن غريباً ككركوكية أن أكتب باللغة العربية”.

قد يعجبك ايضا