نحلم بقيادة واعية تحقق العدالة الاجتماعية

نهاد الحديثي

ينتظر العراقيون تشكيل حكومة جديدة في ظل النتائج التي اسفرت عنها الانتخابات البرلمانية الاخيرة وخاصة ان الإطار التنسيقي اعلن نفسه الكتلة الأكبر وتشكيله لجنتين لاختيار رئيس الوزراء القادم، خاصة بعد الخسارة التي منيت بها القوى العلمانية والمدنية واليسارية التي ظلت طوال عقدين ترفع شعارات الدولة المدنية والعدالة الاجتماعية والتغيير الديمقراطي، مقابل صعود الفصائل المسلحة وحصولهم على 80 مقعد برلماني.

شهر العسل بين الفرقاء السياسيين الذين يتفقون على تشكيل الحكومة لا يستمر طويلاً، حتى نعود إلى الخصومات والخلافات التي لا تدور حول المصلحة العليا للدولة أو خلاف بشأن القرارات الاستراتيجية للدولة، وإنما تبدأ في الدوران حول مزاجية أو مصالح الفاعلين السياسيين. ولا أحد يتحمل مسؤولية الفشل في إدارة الحكم، وتغيب ملامح المساءلة السياسية والمسؤولية عن اتخاذ القرار السياسي ومن يرسم السياسات العامة، فلا يمكن وصف نمط الحكم هذا إلا بالتوافقية الهشة أو توافقية توزيع مغانم السلطة.

فمنذ 2006 تشكلت خمس حكومات سابقة على أساس تحالفات سياسية تتوافق على أسس تقاسم الوزارات لا أكثر ولا أقل، وسرعان ما تنهار هذه التوافقية الهشة بعد تشكيل الحكومة وتقاسم الوزارات، ونعود إلى خطابات التسقيط السياسي بين الخصوم بدلاً من الذهاب نحو المعارضة البرلمانية.

ويشار إلى أن عملية تشكيل الحكومات في العراق تحكمها ديناميكيات برلمانية معقدة وغياب التغليب المطلق، حيث يبلغ عدد أعضاء مجلس النواب العراقي 329 عضوا، ولا يوجد حزب بمفرده قادر على حسم الأغلبية وتشكيل حكومة منفردا، ويفرض هذا الواقع على الأحزاب الفائزة ضرورة بناء تحالفات معقدة وطويلة الأمد، وهي عملية تستغرق عادة شهورا من المفاوضات الشاقة لضمان الأغلبية المطلوبة لتمرير الحكومة وتوزيع المناصب السيادية.

في زمن تتسارع فيه التحوّلات بشكل غير مسبوق، لم تعد القيادة منصبًا أو صفة تُمنح، بل أصبحت قدرة ذهنية وسلوكية تنعكس في كل قرار، وكل تفاعل، وكل لحظة تأثير. لقد تغيّر العالم، وتغير معه مفهوم القيادة، فلم تعد قوة القائد في سلطته الإدارية، بل في اتساع رؤيته، وذكائه العاطفي، ومرونته الاستراتيجية، وقدرته على أن يلهم قبل أن يوجّه، القيادة اليوم مسؤولية تجاه الإنسان قبل المؤسسة، فالموظفون لا يغادرون الشركات؛ يغادرون القادة الذين تجاهلوا طاقتهم، أو قللوا من قيمتهم، أو لم يمنحوهم مسارا يليق بطموحهم.

القائد الحقيقي هو من يخلق بيئة تجعل كل فرد يشعر بأنه مرئي، مسموع، ومهم. وهذه ليست مهارة ناعمة، بل استراتيجية صلبة تحافظ على المواهب وتضاعف الإنتاجية وعندما نقول إن القيادة أصبحت فناً، فذلك لأنها تجمع بين الفكر الاستراتيجي، والوعي الإنساني، والمرونة الذهنية. فالقائد العظيم اليوم لا يكتفي بأن يقود فريقًا، بل يطلق عدوى الإلهام داخل المؤسسة، يرفع سقف الطموح، ويوسع زاوية الرؤية، ويحوّل التحديات إلى منصات انطلاق.

أصبحنا نحتاج إلى نوع جديد من الشجاعة: الشجاعة الذكية. شجاعة تقرأ المستقبل دون تهور، وتخوض التغيير دون خوف، وتقود الفريق دون فقدان إنسانيته، فالقائد الذكي لا يُعرف بقراراته الكبيرة فقط، بل بقدرته على اتخاذ قرارات صغيرة تُحدث تأثيرات كبيرة، وعلى بناء ثقافة لا تتزعزع مهما تبدلت الظروف أن القيادة ليست منافسة، بل منظومة تكامل، لقد انتهى زمن القائد الذي يحتكر المعرفة، وبدأ زمن القائد الذي يسأل الأسئلة التي لا يجرؤ غيره على طرحها.

وعراقنا لم يشهد بعد الاحتلال 2003 قيادة واعية – حكيمة لأنها ولدت طائفية من عمق المحاصصة , فما زلنا نحلم بقائد حقيقي يتقدم بلا اجندات خارجية او ولاءات دينية ومذهبية، ونريد حكومة جديدة لا تفكر بالامتيازات الخاصة، كفى نوابا ووزراء يقتادون السحت الحرام، كفى مهانة للموظفين والمتقاعدين واذلالهم بحفنة بائسة من الدنانير، كفى تشردا يبحثون عن سقف يأوي عوائلهم، كفى تكميم الافواه للكتاب والادباء والصحفيين، كفى فسادا وسرقة اموالنا، كفى من يتاجر بالمخدرات واجساد وسمعة العراقيات نريد حكومة تهتم بالتعليم والجامعات وتبني مستشفيات متطورة وتهتم بدواء المريض وتراعي المسنين.
كفاكم ايها السادة اعملوا ليوم لا ينفع فيه مال ولا بنون..

قد يعجبك ايضا