حب في الستين

 

عماد الطيب 

كاتب 

لا أحد يخسر الحب تمامًا. ما يبقى منه في الروح يشبه فتات الضوء الذي يظلّ على النافذة بعد مغيب الشمس، لا يكفي ليضيء المكان، لكنه يكفي ليطمئن القلب أن النهار مرّ من هنا يومًا. هكذا أفكّر وأنا أقترب من سنواتي الثقيلة، أنني بحاجة لقليل من الحب… لا كي أعيش به، بل كي أغادر العالم مطمئنًا أن قلبي لم يصدأ. أريد أن أحتفظ ببقايا حب في عمر الستين. حبّ بسيط، هادئ، يشبه يدًا دافئة تُربّت على كتفي في آخر العمر. حب لا يشبه اندفاع البدايات، بل حكمة النهايات؛ حبّ يجلس إلى جواري لا ليستحوذني، بل ليقول لي: ما زلتَ قادرًا على أن تشعر… وما زالت الحياة تذكرك بأنها رأفت بك ذات يوم. أحيانًا يكبر الإنسان ويكتشف أنّ العمر وحده لا يكتمل بالسنين، بل بلحظات العاطفة التي بقيت عالقة فيه مثل زخات مطر قديم. كثيرون يعبرون الستين بقلوب جافة، وأنا لا أريد ذلك. أريده قلبًا يغادر العالم بظلّ امرأة مرّت من هنا، بذكرى ابتسامة، بصوتٍ كان يوقظ داخلي نشوة الحياة. ما حاجتي لكل هذا الركض إن كنت سأصل إلى نهايتي فارغًا؟ قليل من الحب يكفي، لكنه يجب أن يكون صادقًا… ويجب أن يكون لي. أحب أن أحتفظ بذكرى امرأة أحببتها يومًا، ربما افترقنا وربما لم نكتمل، لكن أثرها ما زال ينساب بهدوء في شراييني. أريد أن أضمّ هذا الأثر إلى صدري حين يثقل العمر، كآخر كنز روحي. فالبشر حين يكبرون لا يبحثون عن قلوب جديدة، بل يبحثون عمّن يبقى في ذاكرتهم دون أن يبهت. بلغت الستين ، وها انا أجلس على شرفة مسائي، وأراجع خطاي التي مرّت على الدنيا. سأبتسم كلما تذكرت ذلك الحب الذي لم يكتمل، وذلك الشغف الذي خفت ضوؤه لكنه لم ينطفئ. سأقول لنفسي: الحمد لله… لم أغادر الدنيا بلا حكاية. لا أريد كثيرًا؛ فقط ذخيرتي من العاطفة… قبس صغير يكفي لأن يُنير قلبي في اللحظة الأخيرة. فالموت نفسه لا يخيف حين تحمل في يدك بقايا حب. حبّ يجعل الرحيل أهون، والعمر ألطف، والقلب أكثر إنسانية. وفي آخر الطريق، حين يهدأ كل شيء من حولي وتخفّ الأصوات ويصير العالم مثل غرفة واسعة فارغة، سأعرف أن ما أنقذني لم يكن قوتي ولا صبري ولا كل ما واجهته من صراع… بل ذلك الحب الصغير الذي احتفظت به بحنان، كأنني أخبئ زهرة داخل كتابي القديم. سيجلس إلى جواري كرفيق مخلص، يربّت على قلبي ويقول لي: ها أنت لم تعش عبثًا، فقد ترك فيك الحب أثرًا لا يمحى. وعندها، لن أكون خائفًا من الوداع. سأغلق عينيّ مطمئنًا، وأمضي بخفة، وكأنني أسلّم الدنيا مفتاحها الأخير. فما دام في الروح بقايا حب، فالحياة لا تخسرنا تمامًا… ولا نخسرها نحن.

قد يعجبك ايضا