من لم يستلهم من الماضي لن يبن الحاضر

لطيف دلو
بعيدا عن السياسة اتحدث وفق المفاهيم الانسانية وقول الحق الذي يعلو ولا يعلى عليه وماورد في الاية الكريمة (خلقناكم من ذكر وانثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن اكرمكم عند الله أتقاكم) عن صناعة دولة المواطنة ليتساوى فيها المواطن سواءا في اللون واللسان والدين والجنس لاجل خلق حياة حرة كريمة دون سفك الدماء وتهميش الاخر ولا أن يعيش البعض في دولة نطفية على الارتزاق من عمل يخل بكرامته وحيتان الفساد يصبحون بين ليلة وضحاها في قمة الثراء .

حكم العثمانين المنطقة قرابة خمسمائة عام ، في عزلة عن العالم وفي ظلام دامس من الجهل والتخلف بدون مستشفيات ومرافق خدمية ومدارس إن وجدت كانت لاجل تتريك المجتمع والمجاعة والامراض تفتك بهم والفساد في جباياتها الى حد حرمان الفقراء من لقمة العيش وتوزيع الوظائف بالرشاوي في جميع ولاياتها وممارسة ابشع الاجرام داخل الاسرة على الخلافة والقبائل تحكم كل منها منطقتها في خلافات ونزاعات كثيرة بينهم الى ان انسحبت تدريجيا الى الاراضي التركية الحالية اثناء الحرب العالمية الاولى وهذه كانت حصيلة المنطقة من السلطة التركية .

ومن ثم احتلتها بريطانيا 1918ولم تستطع السيطرة عليها حيث واجهت مقاومة شديدة واضطرت تشكيل دولة العراق التعددية بنظام ملكي برلماني ليتساوى فيها المكونات بدرجة واحدة تحت انتدابها وسلمت السلطة الى الطائفة السنية مقدما ولشرعنة سياستها دمجت كوردستان بالعراق والتي كان من المقرر أن تكون دولة كوردية ، لمعادلة نسبة السنة مع الشيعة اكثر من مطامعها المالية ولكن توجهات الحكومات الملكية كانت قومية وبناء اتحادات مع الدول ذات الطبيعة السياسية نفسها على حساب المكونات وقام الجنرال بكر صدقي من اصول كردية عام 1936بإنقلاب عسكري وغايته تصحيح مسار سياسة الحكم الى العراق التعددي الملكي تحت شعار العراق اولا وعين حكمت سليمان رئيسا للوزراء وبقي هو في منصبه وقامت تلك الحكومة باصلاحات جذرية خلال تلك الفترة القصيرة منها سحب الاراضي من الاقطاعيين وتوزيعها على الفلاحين ، واغتاله القوميين العرب عام 1937 بتهمة تتعلق باصوله القومية ، وقرأت اطروحة لطالبة دكتوراه لورا لوكيتز بعنوان العراق والبحث عن الهوية نصها ، ان سياسة العراق اولا التي اتبعتها حكومة حكمت سليمان وبكر صدقي التي قوت موقع العراق اقليميا ركزت على الطبيعة التعددية للمجتمع العراقي لو كتب لها الدوام كانت ستصبح الاساس الجديد لبلورة هوية وطنية مختلفة للعراق ولكن بزوال الحكومة مهد الطريق مرة اخرى امام العودة المظفرة للفكر القومي العربي ولم تستطع فكرة العراق اولا مجارات تطورات الاحداث في حين جميع التغييرات والانقلابات كانت لاجل السلطة ومن خلالها الذريعة الطائفية والقومية ومنها انقلاب رشيد عالي الكيلاني هدفه اسقاط حكومة الوصي عبد الاله على العرش الملكي ومناهضة التواجد البريطاني و مساندة المانيا وايطاليا في الحرب العالمية الثانية ، واستلم الحكم في شهر شباط وانتهى في مايس 1941 بالاحتلال البريطاني الثاني لبغداد ومن ثم ثورة 14 تموز 1958 بإسقاط العهد الملكي وثم الانقلابات العسكرية المتتالية ذات الطابع الطائفي واخرها عودة البعث للسلطة عام 1968 وافتعل الحربين الخليجيتين والاقتتال الداخلي وجرائم تقشعر منها الجلود في كوردستان والوسط والجنوب .

بعد سقوط النظام البائد 2003 وتشكيل حكومة منتخبة وعودة الطائفية الى سدة الحكم بانتقال السلطة الى الشيعة 2005 لان لايمكن ان تتحقق الديمقراطية من خلال اصوات شعب قابع تحت نفوذ القبلية والطائفية في اختيار الشخص المناسب في المكان المناسب من بين المكونات كما في العالم المتحضر، فأمريكا الدولة العظمى الاولى كانت تشتهر بالعنصرية رضخت لارادة شعبها في اختيار اوباما من اصول كينية رئيسا وتنصيب شخص من اصول إسلامية هندية بمنصب عمدة نيويورك قلب امريكا النابض والعمدة الحالي للندن التي كانت تحكم اقصى الشرق والغرب هو من اصول باكستانية إسلامية وملك النرويج الدولة الاولى في الازدهار إلاقتصادي من اصول دنماركية ورئيسة وزراء سنغافورة الدولة الصناعية من اصول ماوية وتعتنق الدين الاسلامي ، وهذا القدر من الوقائع والامثلة قد يكفي لمن يستلهم من الخراب والدمار من الحكم العثماني ومن الحكومات القومية والطائفية المتوالية على السلطة في هذه الدولة ومن دول النهضة والتقدم لبناء دولة الامن والاستقرار .

أتساءل ألم يحين الوقت في نبذ التطرف والتعصب القومي والطائفي والديني ، وإختياراشخاص معتدلين ومؤهلين لادارة الدولة من اي مكون كان لصناعة دولة المواطنة بهوية واحدة لجميع مكوناتها والعودة الى العراق اولا والذي لم يحالفه الدوام لبناء دولة السلام والوئام ؟ .

قد يعجبك ايضا