اللغة والأمة نسيج واحد

د. زينب عبد الزهرة هادي

عندما تنبت للغة أجنحة يصبح الخوف عليها ضرورياً لئلا تغادر أرضها وشعبها.. وعندما يصنع الأنداد لها قفصاً لسجنها يصبح التغريد بها مأساوياً.. فكيف بها إذا كان السجّان وصانع القفص من أبنائها

لا تزال اللغة العنصر الرئيس في إعطاء الصفة الاجتماعية للمتحدثين بها، والوقفة التي يقتضي وقوفها اليوم حول دور اللغة العربية في حياة العرب يتخطى الحاضر في حركة غير متعاكسة نظرياً على الأقل. ووجهة هذه الحركة هي باتجاه الماضي أولاً والمستقبل ثانياً مروراً بالحاضر ثالثاً.

وفي الأحوال كلّها ثمّة تعويل على التواصل، وثمّة حراك وشبه سكون يقتفيان أثر الحياة.. وهذا لا يعني الحيويّة أو الموت.. إنّما حالة وانتقال، يبقى فيهما التواصل، ويبقى قول الجاحظ صحيحاً، على الرغم من مرور الزمن إذا ترك الإنسان القول ماتت خواطره، وتبلّدت نفسه وفسد حسّه

والقول هو اللغة، سواء أكانت مكتوبة أم منطوقة أم إشارة أم إيحاءً أم رموزاً… وهي عند العرب حميمية وتضامنيّة واجتماعيّة.. لذلك كانت لها هذه الأهميّة، لأنّها فعل حياة، وغيابها يؤثّر تأثيراً كبيراً في واقع أبنائها.

يورد د. هدسون Hudson في كتابه “علم اللغة الاجتماعي”، الفقرة التالية عن بعض مواصفات اللغة العربية “تتمثّل الاختلافات بين الثقافات المختلفة بتحديد المسافة التي تتلاءم مع درجة معينة من التضامن، فالمسافة التي يحدّدها العرب – مثلاً – غالباً ما تكون أقصر من المسافة التي يحدّدها و يتحدّثوا سويّاً في أزواج في غرفة يمكن ملاحظتهم فيها دون علمهم، وقد تمّ تسجيل حركاتهم ودرجة اقترابهم من بعضهم بعضاً عند الجلوس واتجاه أجسامهم ومقدار نظرهم إلى بعضهم بعضاً ومقدار ارتفاع أصواتهم ومقدار تلامسهم… وأنّهم يقتربون من بعضهم في جلوسهم أكثر وأنّهم أكثر استعداداً وملامسة بعضهم بعضاً والنظر مباشرة في عيون بعضهم بعضاً، وتخاطبوا بصوت أعلى من أمثالهم واللغة هي تحديد علاقات القوّة والتضامن بين الأفراد.

وهذا دليل يفصح عن أنّ اللغة العربيّة ليست أمراً عارضاً، أو شيئاً يمكن تبديله كلما خطر للبعض خواطر أو نزعات أو ميول أو تأثّرات بعامل من العوامل.. العربيّة هي صنو الحياة.. زمن نشوئها مرتبط بأسباب عرف بعضها والقسم الآخر لم يعرف حتى الآن، أو لم يتمّ الإقرار به من بعض الباحثين.. وفي الأحوال كلّها ثمّة من يرى في العربيّة تماثلاً للناس أنفسهم، لا يكاد يميّز بينهما، حتى أصبحت “بنية ذهنيّة، تكوّنت من نوازع نفسيّة طبيعيّة، تراصفت تاريخياً، فغدت بمثابة بوتقة تصهر ما يوضع فيها وتشكّله وفاق طابعها، حين ملاءمته للصهر، فيكون له منحى خاص في الحوار والتعبير والسلوك والنظرة إلى الواقع وما بعده من آفاق وتطلعات تتجاوز المحسوسات. إنّها النفس العربيّة بكل ما فيها من انعطافات ونتوءات.

قد يعجبك ايضا