شاعر ومترجم
بعثت السماء بريدها الأخير فانزلق المطر من بين أصابع الغيم وانساب على ارصفة الصمت، وجرّ خلفه حفيف الريح كما لو كان يسوق مواكب الفصول الى موعدها. كان الضوء المشتت يعكس الطريق بلون مائل للذهول، و يتكسر على برك صغيرة تشبه مرايا مهشّمة مازالت تحتفظ بوجه الخريف قبل ان يبتلعه الشتاء لاخر وهلة. لوحت الاشجار بثوبها الشفاف لاوراقها المتناثرة، كأمّ تودّع ابناءها عند باب السفر، وسمحت للريح ان تجمعها في زوايا الشوارع، تسابقها خطوات المطر وتهمس معها. ماذا لو كنت أمشي بين تلك الرسائل المبتلة، أحاول ان التقط منها ذكرى ضائعة ، أعلّقها على قلبي مجددا ، حتى لو كان المطر يحاول ان يمحوها عنوة !. كان اعترافا مؤجلا لآخر بريد للخريف، طوى نفسه في ورقة أرهقها الدوران مع الريح، وظلّ قلبي ينتظرها قرب نافذة الليل، كمن يترقّب همسة ضائعة، حتى تهبط اخيرا، لتبوح بالسرّ!.