*عبد الرحمن حبش
تشهد الساحة السورية في هذه المرحلة لحظة سياسية غير مسبوقة، مع دخول الأزمة عامها الخامس عشر وتزامنها مع تحولات إقليمية ودولية تعيد صياغة موازين القوى داخل البلاد. فالتطورات الأخيرة، وعلى رأسها زيارة الرئيس أحمد الشرع إلى البيت الأبيض ولقاؤه مع الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب لبحث ملف محاربة تنظيم داعش، أشعلت موجة واسعة من التحليلات حول اتجاه الولايات المتحدة نحو إعادة رسم خريطة النفوذ في كوردستان سوريا ، وفتح قنوات مباشرة أو غير مباشرة مع قوى أمر واقع كانت تُعامل سابقًا بوصفها خارجة عن أي إطار سياسي. ورغم غياب التأكيدات الرسمية حول تفاصيل اللقاء، إلا أن الرسائل التي حملتها الزيارة تتجاوز محاربة داعش لتصل إلى مستوى الترتيب السياسي والأمني في الشمال الغربي، وإعادة هيكلة الفصائل المسلحة بما ينسجم مع الاستراتيجية الأميركية الجديدة القائمة على تقليص النفوذ الإيراني، وضبط التمدد التركي، ومنع الفراغ الأمني الذي قد تستغله قوى متطرفة. وفي موازاة ذلك، تكثّف واشنطن وتل أبيب تسليمهما بضرورة تثبيت خطوط أمنية واضحة في الجنوب السوري ضمن تفاهمات غير معلنة، تهدف أساسًا إلى الحد من النفوذ الإيراني قرب الجولان وفي محيط دمشق، عبر دعم قوى محلية أو إعادة تشكيل البيئة الأمنية بما يضمن هدوءًا استراتيجيًا طويل الأمد، وهو ما يعكس دخول الجنوب السوري في معادلة جديدة تتداخل فيها الحسابات الأميركية والإسرائيلية والروسية، وتفتح الباب أمام احتمال إعادة توزيع السيطرة هناك بطريقة مختلفة عن السنوات الماضية. وفي كوردستان سوريا ، تواصل قوات سوريا الديمقراطية، ومعها الإدارة الذاتية، لعب دور محوري في الاستراتيجية الأميركية، باعتبارها الشريك الأكثر ثباتًا في الحرب على داعش، والعنصر الجغرافي والسياسي الأكثر استقرارًا مقارنة ببقية المناطق السورية. هذا الدور بات اليوم جزءًا من مسار أوسع يشمل احتمال إحياء الحوار الكردي–السوري، ووضع أسس أولية لصيغة لامركزية سياسية وإدارية قد تشكل قاعدة للحل النهائي في البلاد، خاصة أن واشنطن باتت تنظر إلى وجود كيان مستقر في مناطق الكوردية شمال شرق الفرات باعتباره توازنًا ضروريًا في وجه إيران من جهة، وأداة ضبط للنفوذ التركي من جهة أخرى. وهنا يبرز الدور التركي بوصفه العامل الأكثر حساسية في المعادلة، إذ تستشعر أنقرة أن التطورات الأخيرة من زيارة الشرع إلى واشنطن، إلى الحديث المتجدد عن ترتيبات تخص مستقبل الإدارة الذاتية قد تضعها أمام واقع سياسي جديد لا يتطابق مع رؤيتها الأمنية. فتركيا، التي ترفض بشكل قاطع أي شكل من أشكال الاعتراف السياسي بالقضية الكوردية في سوريا واندماج قوات قسد مع تشكيل الجيش السوري كالشريك أساسي ، قد تتعامل مع هذه المسارات إما بانفتاح مشروط إذا حصلت على ضمانات واضحة حول مستقبل هذه القوى وارتباطاتها، أو برد فعل تصعيدي قد يشمل عمليات عسكرية جديدة أو دعم فصائل أكثر تشدّدًا أو استخدام ملف اللاجئين للمساومة، الأمر الذي قد يعيد إشعال مناطق الكوردية و السوريّة ويفتح الباب أمام دوامة صراع جديدة. ووسط هذه التعقيدات المتداخلة، تقف سوريا أمام مفترق طرق حقيقي،
فإماأن تنجح التفاهمات الأميركية–الروسية–التركية المحدودة، إلى جانب ترتيبات بين دمشق وقسد، في إنتاج حالة من الاستقرار الهش الذي يجمّد الجبهات ويمنح البلاد فرصة للانتقال نحو تسوية سياسية طويلة المدى تستند إلى لامركزية السياسية ، أو أن تتصادم مصالح الأطراف وتنفجر الساحات مجددًا بدءًا من الشمال بين تركيا وقسد، أو في الجنوب حيث تتقاطع خطوط إسرائيل وإيران، أو حتى في مناطق النفوذ الروسي–الإيراني حيث التنافس على النفوذ لم يهدأ يومًا. وفي المحصلة، فإن مستقبل سوريا لم يعد رهن المعارك العسكرية فحسب، بل بات مرهونًا بقدرة القوى المحلية على إدراك أن الخيارات الضيقة التي تُفرض اليوم ستحدد مصير البلاد لعقود، وأن الحوار السوري–السوري، وخصوصًا الحوار الكردي–السوري، قد يكون الطريق الوحيد الذي يضمن منع الانزلاق نحو حرب أهلية جديدة باتت احتمالاتها قائمة مثلما هي احتمالات الوصول إلى استقرار هش، يبقى رغم هشاشته أفضل من فتح أبواب جحيم صراع لا نهاية واضحة له.
* سكرتير الحزب الديمقراطي الكردي في سوريا البارتي