الاهتمام بالتربية والعلم في الفكر العربي الاسلامي

د. عذراء علي حسين

لقد أصبح الاهتمام بالتربية يزداد يوما بعد يوم؛ لأنها تعتبر الطريق الذي يوصل الى التقدم والرقي فيها نتعرف على الماضي والحاضر ونستقرئ المستقبل. ان التعرف على الماضي ودراسته بشكل مستفيض ودقيق سيسهم في بناء الحاضر ويدعمه بشكل كبير. ان ماضي الامة العربية الاسلامية عريق وزاخر في كثير من الخبرات التربوية والتعليمية التي يفخر بها كل عربي مسلم.

فالمجتمع العربي الاسلامي اليوم هو بحاجة الى ديمومة واستمرارية التواصل الحضاري والتربوي لذا فهو بحاجة الى فلسفة تربوية تحفظ له ذلك ليساهم في بناء الحضارة الانسانية لان التربية وبالتربية وحدها تقوم المجتمعات وتبني الحضارات.

ان الفكر العربي الاسلامي فكر واسع وشامل وعميق متنوع الجوانب منها فلسفي واجتماعي وتربوي والجانب التربوي وحده يضم عدة مجالات منها تربية المعلم والطالب والمنهج وطرائق التدريس ومعاهد التدريس ان معين ورافد الفكـر العربي الاسلامي ينهل من القرآن الكريم والسنة النبوية وان جوهر الفلسفة والتربية في الاسلام ينبع من حقيقة هامة وهي ان الاسلام ليس مجرد شريعة ودين وانما هـو فلسفة وطريقة حياة شاملة فقد ظهر الاسلام ليدعو الى اسلوب حياة وطريقة حياة جديدة وقام وسط ظروف اجتماعية واقتصادية وسياسية معينة فقد ظهر الاسلام وسط هذه الظروف وبما فيها من متناقضات ليهدي الناس الى حياة جديدة وجاءت كفلسفة ونظرية للتطبيق في الحياة وكان من اهم دعائم هذه الفلسفة اعمال العقل.

ان الأطر التربوية الحديثة واتجاهاتها هي وليدة جهود ونظم تربوية لها تاريخها الطويل وتجاربها الانسانية البعيدة الجذور وهي تعمل دائما بشكل الاناء الذي ولدت فيه وليس هناك في مجال التربية وسواها خلق من عدم او ابتداء من فراغ بل الأمر أولا واخرا يصبح متراكما عبر الزمان وجهد موصول على ممر الأيام.

ان التربية وانظمتها التي لا ترتبط بواقع، لا تموت بزوال الواقع الذي نبعت فيه وارتبطت به بل تبقى صالحة وتستمر لعصور لاحقة لكونها عبرت عن حقائق عامة يمكن ان تصلح في ظروف مختلفة لأن طابع العمومية الذي تتصف به يجعلها قابلة ان تعمل مضامين مختلفة بعض الاختلاف وهذا هو الهدف في اننا نبحث في آراء وافكار التراث العربي الاسلامي الثروة التي لا تقدر والتي تستجيب لتطلعاتنا وتتوافق مع التصورات التي ننشدها لأنفسنا في التربية واهدافها.

للمعلم منزلة رفيعة عند المسلمين وقد نصب الرسول (صلى الله عليه وسلم) معلما فقال (انما بعثت معلما) فقيمة المعلم لا تتوقف على ما يحسنه تتوقف قبل هذا على ما يعمله ففي امكانه ان يكون قدوة لتلاميذه يمتثلون امر ويحبونه ويؤثرونه على انفسهم وعليه فكانوا لا يأذنون بالتعليم الا بتزكية مرضية وثبوت اهلية على ان يكون من اهل الصلاة والعفة والامانة ومن واجباته:

ان يعنى بمراقبة التلاميذ في الكتاب وخارجه ويتفقد ذهابهم وايابهم ويكون على اتصال بأوليائهم ويخبرهم بتصرفاتهم وحذروا المعلم فـي الكتاب ان يشتغل بغير عمله ليتفرغ الى افادة تلاميذه وله ان يجعل له عريفا وان يكون العريف متصفا بالأخلاق الحسنة والاستقامة ممن يؤنس رشده وعفافه ويمنعه من ضيرهم.

ظهر في الحضارة العربية الاسلامية مربون دونوا توجيهاتهم وخبراتهم التربوية في كتب اختصاصية ليستفيد منها القائمون بتربية الاطفال والكبار ومنهم:

۱. برهان الدين الزرنوجي أشهر كتبه (تعليم المتعلم طريق التعلم) يحث فيه على قيمة العلم وكيفية اختياره وطرق تحصيله واستيعاب ويوصي بألف التعلم ويرى ان العلم يطلب لغايته العملية في الحياة كما يطلب لغاية في التلـ النفسي في التعلم.

۲. علي بن محمد بن خلف القابسي: له منهج التربية ينقسم الى قسمين الزامي واختياري. اما الالزامي فمواده القرآن الكريم وبعض موضوعات النحو والعربية والقراءة والكتابة والاختياري يحوي الحساب والمتبقي من موضوعات النحو والعربية والشعر وقد قسم القابسي البوم المدرس على هذا النحو:

• قراءة ودراسة في القرآن الكريم من أول النهار الى الضحى.
• يمارس الطلبة الكتابة من الضحى الى حلول الظهر.
• يذهب الاطفال الى اهليهم لتناول الغداء ثم يعودون الى الكتاب بعد صلاة الظهر.
• تبدأ دراسة النحو والادب واخبار العرب والحساب وغيرها من بعد الظهر الى اخر النهار.

3. الغزالي: ابو حامد بن محمد بن احمد الغزالي: هدفه في التربية هو حسن الخلق ومرضات الله في طلب العلم وقد اكد تطبيق الانسان ما يتعلم وذكر أي قيمة للعلم من دون عمل ولهذا فقد من شان مهنة التعليم واراد للمعلم ان يتحلى ببعض الصفات السامية منها شفقته على الاطفال وان يرعاهم وينصحهم ويستعمل التلميح في اصلاح المخطئ أو المذنب قبل ان يكتشف عيبه او تقصيره وان لا يغلبه الهوى في مدح علمه الذي يدرسه والتهوين من علوم الآخرين أن يتدرج مع الطفل في التدريس من المسائل الهينة الى امور التي هي اعلى حتى لا يثقل على الطفل.

4. الماوردي: هو علي بن محمد بن حبيب البصري وكان من العلماء ذوي الثقافة الواسعة فهو يميل الى التعليل والى تحليل الاسباب وحصرها في نقاط محدودة وقد اراد من المعلم ان يلتزم بما يعلم ويحث الطالب على الاستمرار في التعلم كما يحث المعلم على الرأفة بالطالب والصبر على متاعب التعليم وان يبذل المعلم للطالب أفضل ما لديه من علم.

5. ابن خلدون: وهو عبد الرحمن بن محمد بن خلدون. لقد اكد ابن خلدون على اهمية الطريقة في التدريس كما اكد على اهمية المنهج والمواد الدراسية لم يرتض طريقة التحفيظ واثره في تجميد اذهان الطلاب ويؤكد ابن خلدون تدريس العلوم الرياضية كالحساب والهندسة في المرحلتين الابتدائية والثانوية بجانب العلوم الأخرى مما يدل على اهتمامه بها وتقديره لقيمتها الثقافية وقد حذر من شدة العقاب لان العقوبة الصارمة تؤدي بالطفل الى الخداع والغش ليتجنب بذلك الام الضرب وانه انتقد المناهج فقد اراد من تدريس اللغة والنحو ان يدرس ما يحتاج اليه الطلاب في حياتهم لا ان يدرسوا موضوعات لغوية ونحوية مسهبة ليس قيمة في حياتهم وحبذ التدرج في التدريس ابتداء من الاسس ثم التوسع في الفهم والتوضيح.

قد يعجبك ايضا