العرب والدور الرسالي في التاريخ

د. عذراء علي حسين

ثمة تفسير متداخل لحقب التاريخ وحركته يختص بالجانب الروحي، والخلقي الانساني، رافق عصور العرب القديمة واستمر بعد سقوط بابل سنة ٥٣٩ ق. م ليشكل لاحقا الرد الحضاري على حالة الانحطاط وكان محوره (التوحيد) في وسط اعتمد الاسباب (المتعددة) وكان باكورته الشاخصة في ذاكرة التأريخ والعقائد (الرسالات) التفسير (الحنيفي) الذي بدأ مع وقفة ابراهيم الخليل (ع) وهو يؤشر بداية عصر عقيدي جديد، قرن من خلاله مجريات الاحداث والحوادث بالواحد الكامن وراء الظواهر، رافضا التفسير الفلكي والمادي والجزئي لسير الاحداث.

وبعد مسيرة كفاحية تبشيرية قاسية بدأت من (اور) و (بابل) وانتهت (بمكة) وبالبيت العتيق، رمز الوحدانية – الابراهيمية. جاءت الرسالات السماوية اللاحقة، من داخل هذه الدائرة (الجغرافية البشرية والعقيدية) حتى تكاملت بالإسلام واجتمعت خلالها على القول، بأن السماء هي الدرع الذي يقينا الشرور، ويوفر لنا اسباب الخير، والطمأنينة الوجدانية، بعد أن عانى الناس من فقر روحي، وقلق اجتماعي، دفع بأبناء هذا المجتمع الى البحث عن السبب الكامن وراء الطبيعة طلبا للعون وتطمينا للنفس.

بهذا – فقط – تمكن الانسان من اكتشاف السلطة غير المرئية (ذاتيا وميتافيزيقيا) انتي تراقب افعاله، وكانت سببا في تحقيق (موازنة) الروح والجسد ومتطلباتهما، وان بقيت بدايات هذه التوجهات خفية التأثير محدودة الفاعلية، لم تتمكن من رصد مصادرها الاصلية، الا (بالواسطة). التي تنتمي الى ذات الأرومة (الرسالات الموحدة) مع ذلك وجدنا، المؤمنين بها، قد امتلكوا أدواتها (الطقوسية) المعبرة عن خصوصيتها بعد ان رهنوا حركة الاحداث (التاريخ) بالسبب الأول (الواحد) الذي يلوذون به عند كل محنة ويتوجهون اليه مع كل مازق تاريخي ليكون (التوحيد) سبيلهم الى تحقيق (الموازنة) التي اختلت وتنتج عنها تخلف رافق الغزو الأجنبي الذي تصاعد بعد سنة ٥٣٩ ق. م. وانتهت بالأمة إلى منطقة نفوذ مشرقية (للفرس) وشمالية (للروم) الى جانب تحرشات حبشية من جهة الجنوب.

ان غياب الدولة القوية للعرب في الوطن العربي خلال المدة من (٥٣٩ ق . م – ٦٢٢م) كان وراء تخلف دورهم الحضاري، وتقدم (اليونان والرومان) الذين تقاسموا الهيمنة بالتتابع مع الفرس، بعد ان استفاد الجميع من حضارة هذه الربوع – بمعزل عن القيادة العربية، وفي غيابها، كان خلالها العربي يقدم، اجوبته الفكرية والعقيدية – عمليا – من خلال اليهودية والمسيحية، ردا على حالة التردي التي يعيشها، لاسيما خلال الحقبة (الهيلينستية) التي شهدت نشاطا فكريا متميزا لرجال الإسكندرية وبلاد الشام والعراق والجزيرة، حيث دارت عقيدة التوحيد دورتهــا العربية، (الجغرافية والتأريخية) ، للرد على الظروف السلبية.

لقد جاءت بعض صفحات هذه (المواجهة) قاصرة مشوشة – تمثلت الاخلاقي. بالوثائق العبرانية المتأخرة – او انسانية مطلقة في مواجهتها للانهيار، كانت الامة خلالها نفتش عن (المعادل) الذي يحقق النهضة بعد ان خبا بريقها، باختفاء روح الابداع، وسكوت صوت التأريخ في هذه الربوع بسبب السيطرة الاجنبية، ولم تعد معه الاجوبة (التعددية) – التقليدية – او (التوراتية) المعدلة: كافية لتحقيقه بسبب التشكل الحضاري الناقص، (الضيق) في مجتمع فقد دولته القوية ودوره الحضاري، وتشتت الى مراكز (تجارية) متناثرة على طريق القوافل المار عبر اراضيهم وتعرض للتأثير الفكري الذي يتعارض مع عقيدتهم.

لقد حاول مفكرو العرب – على الرغم من الضعف والتفكك – مواجهة – البحث الفلسفي – اللاديني – اليوناني – او التأليهي الطبيعي الثنوي – الفارسي، مواجهة واعية من خلال مباحث الدين والوحي والروح ، وتحول الفكر الفلسفي بفضل ذلك من البحث في (المقولات الصرفة او المادية) الى القول بحدوث العالم بسبب علة سامية وقد قاد هذا الموقف رجال مدرسة الاسكندرية ومجموعة المفكرين المنتشرين في السواحل الشامية والجزيرة والعراق وهم يتبنون وجهات النظر الرسالية في تفسير التأريخ والاحداث تفسيرا (دينيا) – رساليا – كان من ممثليه وهو يدجن الفلسفة لخدمة اليهودية وجوستينين النابلسي الذي تنقل بين فلسطين وجزيرة العرب وتوفي في صور متابعا سبيل تاتيان الاشوري ( المولود سنة (۱۲۰م) والقائل ((وقعت بين يدي كتب (غير يونانية = عربية قديمة) اقدم من مذاهب اليونان، واسمی من ان تقارن بأباطيلهم ، قرأتها ، فحملتني على الايمان بها، بساطة اسلوبها ووضوح تفسيرها لخلق العالم، وانباؤهم بالمستقبل)).

لذلك راح يدافع عن فكرة (التوحيد) ويسفه الأجوبة اليونانيه ، التي استسلمت – لاحقا – للمنطق الرسالي في هذه الربوع بعد تحريم جوستنيان للفلسفة سنة ٥٢٩م ، حيث دار البحث عن العلاقة بين الروح والمادة والفلسفة والعقيدة في فترة كانت حبلى بالأحداث، والانسان يفتش عن الجواب الشافي للاسئلة الكونية والاجتماعية، ليؤكد هويته الفكرية ويستعيد مجده الحضاري الى مساره الصحيح ويذكرنا بموقف توفيوس السوري (قرن سهم) وهو يقسم الوجود – متأثرا بالفكر المسيحي الى – مملكة العناية (الارواح العاقلة) ومملكة المادة (المتأثرة بالفلك) ليستكمل بها نظرية الصدور التي عرفنا بوادرها قبل ذلك من خلال التفسير الفلكي في العراق.

التي طورها افلوطين لاحقا ليمهد بها لاجوبة القديس اوغسطين الفلسفية في القرن الخامس الميلادي وهو يتحدث عن مدينة اللـه ومدينة الشيطان متأثرا بالنص الانجيلي المقدس الى أن جاء الاسلام ليقصي الشرك من مركز التوحيد (الكعبة) ومن عقول الناس، ويعيد للحنيفية صورتها الصافية بعد ان وضع الانسان امام مسؤولياته التأريخية وحرره من عبء الخطيئة التي عانت منها الديانات السابقة تحريره للأرض من السيطرة الاجنبية الفارسية والرومية: ولا بد لنا ان نقف عند الموقف الرسالي من التأريخ قبل الاسلام وفيه وكيف جاء ردا على الانحطاط .

قد يعجبك ايضا