الوجود بالذات.. حين يتحوّل الاعتماد على النفس إلى شرطٍ للهوية وللحضور

أحمد زبير باني

مقال مستلهم من قول الرئيس مسعود بارزاني:

((إذا لم تكن أنت، ولم تعتمد على ذاتك وأهلك وقدراتك، ستحسب وكأنك غير موجود)).

هناك كلماتٌ تولد في لحظة سياسية، لكنها تعيش في طبقاتٍ أبعد من السياسة، وتتحول إلى تأملاتٍ في جوهر الوجود نفسه. ومن بين هذه الكلمات قول الرئيس مسعود بارزاني، الذي يبدو في ظاهره نصيحة، لكنه في عمقه قاعدة وجودية:
لا حضور بلا هوية، ولا هوية بلا اعتماد على الذات.

1- الوجود ليس معطى… بل يُصنع

في عالمٍ مكتظ بالصوت والضجيج، لا يكفي أن تكون موجوداً لتُرى؛ بل يجب أن تكون ذاتك لتُحسب. فالوجود الحقيقي ليس مجرد حضورٍ جسدي أو رقمي أو جغرافي، بل بناء داخلي يبدأ من معرفة من أنت، وما الذي تمتلكه من قدرة، وما الذي تستطيع أن تصنعه بيديك. وفي الفلسفة يُسمّى هذا «الوجود المتحقق»: وجودٌ لا يُمنح للإنسان، بل ينتزعه عبر فعله وإرادته وقراره. وبارزاني هنا، ببساطة ووضوح، يقول:

((إن لم تبنِ نفسك، سيبني الآخرون صورتك… أو يتجاهلونك… أو يمحونك تماماً)).

2- الاعتماد على الذات ليس خياراً… بل قانون للبقاء

الأمم التي لا تعتمد على ذاتها تتحول إلى هامشٍ في كتاب الآخرين. والأفراد الذين ينتظرون من غيرهم أن يمنحوهم القوة، سيبقون في منطقة الانتظار مهما طال الزمن. إن الاعتماد على الذات ليس عناداً ولا انغلاقاً، بل هو الشرط الأول لأي مشروع ناجح، سواء كان مشروع فرد، أو عائلة، أو شعب، أو دولة. فالذي لا يحرس وجوده بنفسه، لا يستطيع أن يلوم الزمن حين يسرقه. ولذلك يربط بارزاني بين الذات والأهل والقدرات؛ لأنه يدرك أن الهوية ليست فردية خالصة ولا جماعية خالصة، بل بُنية تتوازن بين الاثنين.

3- الناس والأمم التي لا تكون نفسها… يكتبها الآخرون

التاريخ مليء بشعوبٍ كانت موجودة لكنها لم تُحسب، وبأممٍ كانت حاضرة لكنها لم تمتلك حضوراً، لأنها لم تعتمد على ذاتها حين كان ينبغي أن تفعل. والمعادلة واضحة وقاسية:

إن لم تكتب نفسك، سيكتبك الآخر.
وإن لم تشيّد قوتك، ستصبح جزءاً من قوة غيرك.
وإن لم تكن أنت… ستغدو نسخةً ناقصة من الآخرين.

وبهذا يتحوّل كلام بارزاني إلى حكمة سياسية أيضاً:
فالشعوب التي تُسند مصيرها إلى غيرها، تفقد حقّها في صنع مستقبلها.

4- الاعتماد على الذات ليس عزلة… بل تحالفٌ مع الجذور

حين يقول بارزاني «وأهلك»، فهو يشير إلى تلك الدائرة الأولى التي تمنح الهوية معناها: العائلة، الأرض، التاريخ، الانتماء، اللغة، والدم الذي انتقل عبر الأجيال حاملاً رسائل البقاء. إن الاعتماد على الذات لا يعني إلغاء الآخر، بل يعني عدم إحالة مصير الذات إلى الآخر. فالعون الخارجي يجب أن يكون إضافة، لا شرطاً وجودياً. والتحالف ينبغي أن يكون اختياراً، لا قيداً.

5- الوجود الحقيقي هو أن تكون أنت… لا ما يريده غيرك

هذا القول يفتح الباب لسؤال وجودي عميق: ما معنى أن تكون «أنت»؟ إنها ليست صفة، بل فعلٌ مستمر: فعل معرفة، وفعل مسؤولية، وفعل بناء. أن تكون أنت يعني أن تعرف قدراتك، لا أن تُهمّشها أو تُفرط فيها. يعني أن تقف على قدميك، لا على أكتاف الآخرين. يعني أن تتكئ على جذورك، لا على رياحٍ لا تثبت.

خاتمة: من لا يصنع ذاته… يُمحى من سجل العالم

في عبارة واحدة، يختصر بارزاني مسار أجيال بأكملها: لا وجود لمن لا يعتمد على نفسه. هذه ليست مجرد حكمة، بل قانونٌ تاريخي لا يرحم. فالأمم التي تفهم هذا القانون تتحول إلى فاعل، والأمم التي تتجاهله تتحول إلى مفعول. والإنسان الذي يستوعبه يصبح سيد حياته، أما الذي يتجاوزه فيذوب في حياة غيره. إن الاعتماد على الذات ليس رفاهية، بل هو الحدّ الأدنى من شروط الوجود.

قد يعجبك ايضا