ألفريد نوبل : بين عبقرية الاختراع ولعنة الدمار

الصحفي حيدر فليح الشمري

في لحظة واحدة من لحظات التاريخ ، استطاع رجل سويدي أن يغير وجه الأرض إلى الأبد ، لم يكن قائدًا عسكريًا ولا فاتحًا ، بل كان عالمًا يخلط المواد الكيميائية في مختبره ، باحثًا عن طريقة لترويض النيتروغليسرين المتفجر ، وحين نجح في ذلك عام 1867 ، ظن أنه يقدم للبشرية هدية ثمينة تفتح الجبال وتشق الأنفاق ، لكن التاريخ بقسوته المعتادة حوّل هديته إلى أداة موت .
الديناميت هذا الاختراع الذي بدأ حلمًا هندسيًا ، سرعان ما تحول إلى كابوس إنساني ، فعلى أرض المعارك وجد الجنرالات ضالتهم في هذه المادة الفتاكة ، المدن التي كان يُفترض أن تُبنى بالديناميت ، صارت تُدمر به ، والأنفاق التي كان من المفترض أن تربط الشعوب ، أصبحت خنادق تفصلها ، وألفريد نوبل الرجل الذي أراد أن يكون محسنًا للبشرية وجد نفسه يُلقب بـ ” تاجر الموت ” .
لكن هل كان نوبل يعلم ؟
هل خطر بباله وهو يُجري تجاربه أن اختراعه سيُستخدم لتمزيق الأجساد لا الصخور ؟
ربما نعم ، وربما لا ، فالعالم الذي يسعى وراء المعرفة غالبًا ما يكون أعمى عن عواقبها ، إنه يرى المعادلة الكيميائية لكنه لا يرى الدم الذي سيُسفك ، يسمع صوت الانفجار في المختبر ، لكنه لا يسمع صراخ الضحايا على أرض المعركة .
وهنا تكمن المفارقة الكبرى :
هل يُحاسَب المخترع على ما يفعله الآخرون باختراعه ؟
السكين تُقطّع الخبز وتقتل الإنسان ، النار تُدفئ البيوت وتحرق المدن ، والديناميت يفتح الطرق ويغلق الأرواح . الاختراع في حد ذاته محايد ، لكن الإنسان ليس كذلك ، ومع ذلك يبقى السؤال معلقًا في ضمير التاريخ :
ألا يتحمل من يفتح صندوق باندورا جزءًا من مسؤولية ما يخرج منه ؟
يبدو أن نوبل نفسه لم يستطع الهروب من هذا السؤال ، فحين قرأ نعيه الخاطئ في إحدى الصحف الفرنسية عام 1888 ، والتي وصفته بأنه ” الرجل الذي أصبح ثريًا من خلال إيجاد طرق لقتل أكبر عدد من الناس بأسرع ما يمكن ” ، أدرك كيف سيذكره العالم ، هذه اللحظة كانت صحوة مفزعة دفعته لإعادة النظر في إرثه .
ومن رحم هذا الندم ولدت جائزة نوبل ، رجل يحاول أن يمحو بقع الدم بالحبر الذهبي ، أن يستبدل صورة ” تاجر الموت ” بصورة ” راعي السلام ” ، لكن هل نجح في ذلك ؟
الجائزة اليوم تُمنح لقادة وعلماء ومفكرين ، بعضهم يستحقها حقًا ، وبعضهم الآخر يثير علامات استفهام كبيرة ، ساسة تلطخت أيديهم بالدماء يحملون ميدالية السلام ، واقتصاديون ساهمت نظرياتهم في إفقار الملايين ينالون جوائز العلوم الاقتصادية .
في النهاية قصة ألفريد نوبل هي قصتنا جميعًا ، إنها قصة الإنسان الذي يخترع ويكتشف ، ثم يقف مذهولًا أمام ما فعلته يداه ، إنها قصة التقدم الذي يأتي بثمن ، والمعرفة التي لا تأتي دائمًا مع الحكمة ، نوبل لم يكن شريرًا لكنه لم يكن قديسًا أيضًا ، كان مجرد إنسان عبقريًا وضعيفًا في آن ، حاول أن يصلح ما أفسده ، لكنه اكتشف أن بعض الأشياء لا يمكن إصلاحها .
واليوم ونحن نعيش في عصر التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والهندسة الوراثية ، يعود سؤال نوبل ليطاردنا من جديد :
ماذا نخترع ؟
ولماذا ؟
ومن سيدفع الثمن ؟

قد يعجبك ايضا