ألمانيا بين ضجيج الخوف وصمت الاقتصاد: هل تضلّ وسط صخب اللاجئين؟

ياسر بادلي
ألمانيا -ميونخ

تعيش ألمانيا واحدة من أكثر مراحلها السياسية ارتباكًا منذ عقود، بعدما كشفت استطلاعات الرأي الأخيرة عن تراجعٍ كبير في شعبية المستشار فريدريش ميرتس. فلم يبدِ سوى 16٪ من الألمان رغبتهم في ترشحه مجددًا عن الاتحاد المسيحي (CDU/CSU) في انتخابات عام 2029، بينما انقسم أنصار الحزب بين 44٪ مؤيدين و43٪ داعين إلى قيادة جديدة تعيد للحزب روحه المفقودة.
لكن هذا الانقسام لا يُترجم فقط أزمة ثقة في القيادة، بل يعكس تحوّلًا عميقًا في المزاج العام، وفي طريقة تفكير المجتمع الألماني تجاه دولته واقتصاده ومستقبله. ففي ظل اقتصاد راكد، وقدرة شرائية متآكلة، وضغوط الحرب الأوكرانية التي أربكت حسابات برلين، تبدو ألمانيا وكأنها تسير وسط ضباب كثيف من الشكوك والخوف، تبحث عن بوصلة جديدة تقودها إلى برّ الاستقرار.

ورغم أن جذور الأزمة اقتصادية وهيكلية بالأساس، فإن النقاش العام انحرف نحو ملف اللاجئين، حتى بات هذا الملف ستارًا تُخفي خلفه الحكومة أوجاع الاقتصاد وتحديات الطاقة والدفاع. فبدل أن تتركّز الجهود على الإصلاح، والتحول الرقمي، ودعم الابتكار، وتطوير التعليم، انشغلت الساحة السياسية بسؤالٍ عقيم: من يُرحَّب به، ومن يُستبعَد؟

لقد تحوّلت قضية اللاجئين من قضية إنسانية إلى أداة سياسية، ومن مساحة للتضامن إلى مرآة تُعرض فيها مخاوف الهوية والخوف من التغيير. الإعلام بدوره ضاعف من هذا الصخب، ليصنع بروباغندا مدروسة تملأ الشاشات بضجيج الخطر القادم، بينما يغيب الحديث عن الإصلاحات، والضرائب، ومستقبل الطاقة، والجيش، والابتكار، والقدرة التنافسية لأوروبا أمام القوى الصاعدة في الشرق.
ومع ذلك، فإن ألمانيا التي نهضت بعد الحرب من الرماد لم تفعل ذلك بالخوف، بل بالعقل والانفتاح والعمل. فالمهاجرون واللاجئون العاملون اليوم ليسوا عبئًا على المجتمع، بل جزءًا من قوته الإنتاجية والفكرية، يسدّون فجوات في سوق العمل، ويضخّون دماءً جديدة في الاقتصاد والمجتمع.

إن الطريق إلى استعادة الثقة لا يمر عبر تضييق دوائر الانتماء، بل عبر إصلاحات اقتصادية جريئة، وتحديث البنية التحتية، ودعم التعليم، وتشجيع البحث العلمي، وإعادة الثقة بين المواطن والدولة.

ففي عالمٍ تهزه الحرب الروسيةالأوكرانية، وتتحول فيه أوروبا إلى ساحة تنافس عالمي جديد، لا تملك ألمانيا رفاهية الانشغال بخطابات الخوف. إنها مطالبة اليوم بأن تعيد تعريف دورها الأوروبي والعالمي، وأن تصغي مجددًا لصوت العقل وسط صخب الخوف.

ويبقى السؤال مفتوحًا:
هل يشهد التغيير القادم مجرد تبديل في الوجوه؟
أم أنه سيكون تحولًا في الرؤية يعيد إلى ألمانيا توازنها المفقود بين الخوف والعقل؟

قد يعجبك ايضا