نعمة المهدي
(حين يصبح الفنّ طريقًا للعودة) هناك أماكن لا تُبنى بالحجر وحده، بل بما تتركه الأرواح فوقها من أثر. تحت الجسور حيث يمرّ العابرون مسرعين دون التفات، يبقى الذين تأخّروا عن العالم قليلًا… يبحثون عن طريقة ليخبروا الحياة أنهم ما زالوا هنا. والفن، أحيانًا، يكون تلك الطريقة. كان قاسم يقف كلّ صباح عند إشارة جسر السنك، ينادي بصوتٍ متعب: «مناديل… بخمسمية!» شابٌ في التاسعة عشرة، بملامحٍ لم تُصقل بالدعة، بل بتقلبات القلب. منذ أن سُجن والده ظلمًا بتقريرٍ كيدي، صار يعيل البيت: أمّه التي أنهكها الانتظار، وأخته التي تكبر أمامه بسرعة أكبر مما ينبغي. ومع انحسار الزحام، كان قاسم ينسحب إلى الظلّ تحت الجسر. هناك، على جدارٍ خرساني صامت، يرسم بالفحم: وجه أمّه… أخته… ثم وجه أبيه، ذلك الوجه الذي يخشى الزمن أن يبهته. قال مرةً وهو يمرر الفحم ببطء: «إذا ما نرسمهم… نخاف يضيعون. والرسم يربط الروح بالذاكرة.» ذات يوم، توقفت قربه فتاة تحمل كتب كلية الفنون. رنا. لم تقل شيئًا في البداية. فقط نظرت طويلًا. ثم همست: «هاي الوجوه… كأنها تنتظر أحد يرجع.» أجاب دون أن يلتفت: «كلّنا ننتظر.» ومنذ ذلك اليوم، كانت تقف دقيقة واحدة كل مساء. دقيقة لا تشرح شيئًا… لكنها تقول الكثير. في إحدى الأمسيات، توقّف فنان تشكيلي خمسيني. تأمّل الوجوه المتعبة على الجدار، ثم قال: «ليش ترسم هنا؟» قال قاسم: «لأن الجدار يسمع… وما يحچي.» عاد الرجل في اليوم التالي. ثم اليوم الذي يليه. وبعد أيام قليلة… أقام له معرضًا صغيرًا. في يوم المعرض، وقف قاسم خلف لوحاته بخجلٍ يشبه الصمت قبل البكاء. وجوه حزينة… لكنها دافئة، كأنها واقفة عند بابٍ لم يُطرَق بعد. كانت رنا هناك. وقفت أمام لوحة بعنوان: وراء القضبان. لم يكن وجه الأب كاملًا. نصفه ضوء… ونصفه ظلّ. كأن الحقيقة ما زالت تبحث عن لسانٍ ينطقها. جاء صحفي وسأل: «شنو تحب تصير بالمستقبل؟ رسّام؟» رفع قاسم رأسه وقال بثقة هادئة: «أريد أصير جسر. مو بس فنان. جسر يرجّع أبوي.» لم يضحك أحد. الصمت كان حاضرًا بحضور الحقيقة. انتشرت اللوحة. تداولها الناس وكتبت الأصابع: «هذا وجه واحد انظلم.» فُتح ملف الأب من جديد. انكشفت الخيوط. وفي صباحٍ لم ينتظره إلا من احترق قلبه… عاد الأب. متعبًا… لكنه واقف. في المساء، عاد قاسم إلى مكانه تحت الجسر. لم يعد ليهرب من الحياة، بل ليكملها. هذه المرة، رسم وجهًا بنصف ظلّ… ونصف ضوء. كانت رنا على الضفّة المقابلة. لم تلوّح… ولم يلوّح. لكن القلوب تعرف ما لا تقوله الأيدي. كان الجسر بينهما موجودًا. ممتدًّا. مفتوحًا… مثل القصة. خاتمة من لا يعرف معنى الانتظار، لن يفهم معنى العودة. ومن لا يعرف وقع الصمت، لن يدرك كيف يمكن لنظرة واحدة أن تشبه عبور جسرٍ كامل. الحياة لا تهب نهايات مكتملة… إنما تمنح أبوابًا نصفَ مفتوحة. والقلب هو من يختار أن يعبر.