السباق نحو البرلمان… والساعات الأخيرة قبل الصمت الانتخابي

د. ابراهيم احمد سمو

تقترب عقارب الساعة شيئاً فشيئاً من لحظة المشهد الأخير في ماراثون الدعاية الانتخابية لبرلمان العراق 2025، المقرر في الحادي عشر من تشرين الثاني.
الكل يترقب، والكل يستعد. فالصوت هذه المرة هو الحكم الفصل بين المنافسين، بعد أشهر من العمل المتواصل بين زياراتٍ ميدانية، ودعايات رسمية، وحملات إعلامية صاخبة، وحالة قلق مشروع وتوتر واضح يسود المشهد الانتخابي.

لقد شهدنا صعوداً وهبوطاً في مسار الحملات، بين نجاح إعلامي لافت وبين غياب غامض لأسماء لم تتمكن من فرض حضورها. لكن الملفت في كل هذا الزخم هو أن قائمة الحزب الديمقراطي الكوردستاني تمكنت من الحفاظ على حضورها القوي في الساحة، بل واستثمرت التصعيد الإعلامي لصالحها، فكان لذلك أثر كبير في تعزيز موقع الحزب بين الجماهير.

الرسالة وصلت: المليون صوت!
قاد الحزب الديمقراطي الكوردستاني حملته الانتخابية بثقةٍ وحكمة، واستطاع قادته، بين شدٍّ وجذب، أن يجمعوا تأييداً واسعاً من مختلف المحافظات. وكان لظهور النائبين، وخاصة الحملة التي أُطلق عليها “حملة المليون صوت”، أثرٌ بالغ في شحذ الهمم وتحفيز الأنصار.
بدأت الحملة كشعارٍ عندرئيس الاقليم نيجرفان بارزاني، ثم تحولت إلى منهجٍ يتبعه الجميع و اولهم رئيس الوزراء مسرور بارزاني، وصارت مثالاً يُحتذى به لدى كل المنتمين والمؤيدين للحزب.

لم يعد الوصول إلى “المليون صوت” حلماً بعيداً، بل هدفاً ممكناً جداً. فقد تحولت القناعة الشعبية إلى طاقة جماهيرية هائلة، تُترجم في كل فعاليةٍ ومهرجانٍ ومؤتمرٍ جماهيري، من المدن الكبرى إلى الأقضية والنواحي، حيث لم يعرف القائمون على الحملة طعم التعب. وكأن الدعاية قد بدأت بالأمس فقط، لما يحمله الجميع من روحٍ معنوية عالية وشغفٍ متجدد.

بين هدوء الرئيس وحيوية النائبين
تجلّت صورة القيادة في أبهى صورها خلال هذه المرحلة الحساسة. فالرئيس، بطريقته الهادئة والمتحفظة، اختار أن يخوض حملته على طريقته الخاصة؛ لقاءاتٌ مع الوجهاء والعشائر، وحواراتٌ مع المثقفين والإعلاميين، واهتمامٌ استثنائي بالمرأة ودورها في المجتمع.
بهذا الأسلوب الهادئ استطاع الرئيس أن يفعل ما لم يفعله كثيرون قبله؛ فقد جعل من حضوره علامةً للثقة، ومن هدوئه سلاحاً للتأثير العميق.

أما النائبان، فقد كانا على نقيضه في الأسلوب لا في الهدف؛ حضورهما الميداني القوي في ساحات الجماهير جعل منهما وجهاً مألوفاً قريباً من الناس. لقد تجسدت بين الرئيس والنائبين كتلة من الطاقة الإيجابية المتكاملة، فصاروا معاً نموذجاً للتوازن بين الحكمة والحيوية، وبين الهدوء والاندفاع.

الجماهير بين القناعة والتردد
بعد هذه الأشهر الطويلة من الدعاية والعمل التنظيمي، يمكن القول إن المشهد الجماهيري بدأ يتبلور.
الكثير من الشرائح قررت التصويت لصالح قائمة الحزب الديمقراطي الكوردستاني عن قناعةٍ تامة، بعد أن لامست صدق الخطاب ووضوح الرؤية واستمرارية الجهد.
لكن، وبرغم هذا الزخم الكبير، هناك شريحة لا بأس بها من الناخبين ما زالت في مرحلة التردد، لم تحسم موقفها بعد.من المرشحين

قد يكون السبب أن معظم المرشحين في القائمة يتمتعون بسمعةٍ طيبة وسيرةٍ حسنة وشهاداتٍ علمية مشرفة، مما يجعل الاختيار صعباً.
ومع ذلك، تبقى الساعات القادمة حاسمة، فهي كفيلة بقلب الموازين. فالكلمة الأخيرة ستكون لصوت المواطن الذي ما زال يراقب ويقارن ويختبر.

رسالة إلى المرشحين: احذروا الساعات العصيبة
في هذه اللحظات التي تسبق الصمت الانتخابي، على المرشحين أن يكونوا أكثر حذراً من أي وقت مضى.
إن أي تصرفٍ غير محسوب، أو كلمةٍ في غير محلها، أو حتى تجاهل اتصالٍ من أحد المؤيدين، قد يكون سبباً في خسارة مئات الأصوات.
قد يظن المرشح أن “صوتاً واحداً” لا يُحدث فرقاً، لكن الحقيقة أن هذا الصوت قد يكون الفارق بين الفوز والخسارة.

كم من عائلةٍ واحدة تضم خمسة أصوات، وجارٍ يملك مثلها، وأقرباء لهم مئة، ومعارف لهم مئات أخرى!
إن كل تواصلٍ إيجابي قد يُكسبك مئات الأصوات، وكل زلة لسانٍ قد تُفقدك مثلها.
تذكّر أن الناخب الكوردي أصبح أكثر وعياً، وأكثر مطالبة بالاحترام والتقدير.
لذلك، فإن التواصل الإنساني الصادق والرد السريع على الناس والتواضع في اللقاءات كلها عوامل حاسمة في الساعات الأخيرة.

اليقظة حتى آخر لحظة
السباق الانتخابي لا يُحسم إلا في لحظاته الأخيرة.
من يظن أن حملته قد اكتملت فهو مخطئ، فالمعركة لم تنتهِ بعد.
ما زالت هناك فرص، وما زال هناك مترددون، وما زالت هناك فئات لم تُحسم مواقفها.
المرشح الذكي هو من يستغل هذه الساعات المتبقية في الاتصال، والشكر، والدعاء، والتواصل الشخصي.
أما النوم والراحة، فليؤجلهما إلى ما بعد يوم الاقتراع.
هذه الفترة ليست فقط اختباراً للقوة، بل اختبارٌ للوعي والانضباط والصبر.
إن الفوز لا يأتي لمن يعمل أكثر فقط، بل لمن يُحسن التصرّف في اللحظات الحرجة.

القيادة.. درس في الثقة والتنظيم
ما يميز الحزب الديمقراطي الكوردستاني في هذه الانتخابات ليس فقط حضوره الإعلامي القوي، بل التنظيم الدقيق في إدارة الحملة، والتوزيع المتوازن للأدوار بين القيادة والمرشحين والكوادر الميدانية.
لقد تحولت الحملة إلى حركة جماهيرية منظمة تتنفس بروحٍ واحدة، وتتحرك وفق استراتيجية واضحة المعالم.
فلا عشوائية، ولا تناقض في الخطاب، ولا صراع على الأضواء.

القيادة تزرع الثقة، والمرشحون يجسدونها، والجماهير تحصدها.
هذا هو السر في بقاء الحزب الديمقراطي رقماً صعباً في كل دورة انتخابية، مهما تغيرت الظروف وتبدلت التحالفات.

المرأة.. الحضور الأقوى
من اللافت أن هذه الحملة الانتخابية شهدت حضوراً نسوياً غير مسبوق، سواء من حيث التنظيم أو الحضور الجماهيري أو التمثيل داخل القوائم.
وقد أولى الرئيس اهتماماً كبيراً بدور المرأة، مؤمناً بأنها ليست رقماً انتخابياً بل شريكاً حقيقياً في القرار السياسي والاجتماعي.
هذا الاهتمام عزّز صورة الحزب كتيارٍ وطني منفتح، يضع المرأة في موقعها الطبيعي في بناء الدولة والمجتمع.

الختام.. ما بعد الليلة الثامنة والعشرين

ها نحن نقترب من نهاية المشهد.
ليالي الدعاية الانتخابية باتت معدودة، والساعات الأخيرة تتسارع نحو موعد الاقتراع الكبير.
الجميع على أهبة الاستعداد، والجماهير في حالة ترقّبٍ واهتمامٍ لم تشهده الساحة السياسية منذ سنوات.

في هذه اللحظات، لا مكان للخطأ، ولا وقت للتراجع.
كل كلمة محسوبة، وكل تصرفٍ قد يُترجم إلى نتيجةٍ في صندوق الاقتراع.
فالانتخابات ليست مجرد سباقٍ على الأصوات، بل اختبارٌ للثقة، وامتحانٌ للوعي، ومؤشرٌ على نضج التجربة الديمقراطية في العراق.

ليالي الدكتور إبراهيم ؛ ليست مجرد أيامٍ في رزنامة الانتخابات، بل هي خلاصة جهدٍ طويل، وصورة مكثفة لمعنى الإصرار، ومثال على ما يمكن أن تفعله القيادة الواعية حين تلتقي مع الإرادة الشعبية الصادقة.

وبين الحلم والواقع، تبقى الكلمة الأخيرة للشعب… وللصندوق

قد يعجبك ايضا