نوري جاسم
في زمنٍ تتسارع فيه الأحداث وتضيع فيه الأصوات بين صخب المصالح وضجيج المنصّات، نحتاج أكثر من أي وقتٍ مضى إلى أن نتذكّر قيمة الكلمة الطيبة. تلك الكلمة التي تُرمم ما تهدمه السياسة، وتُلين ما قَسَته القلوب، وتعيد للحوار معناه الإنساني قبل أن يتحوّل إلى معركةٍ لا غالب فيها. ولقد صار الاختلاف اليوم عنوانًا للمسافات التي تفصلنا عن بعضنا، لا للفكر الذي يثرينا. اختلفت آراؤنا حتى نسينا أن الهدف من الحوار ليس الانتصار، بل الفهم. في بيوتنا، في مؤسساتنا، وحتى في فضائنا العام، تراجع صوت التآخي أمام أصوات التحدي والجدال، وغابت عن مجالسنا تلك الروح التي كانت تجمع المختلفين على كلمة سواء.
ولعلّ أول ما نحتاجه هو أن نتعلّم فنّ الإنصات، لا من باب المجاملة، بل من باب المسؤولية. فأن تُصغي للآخر هو أن تعترف بوجوده، وأن تمنحه حقه في أن يُعبّر عن ذاته دون خوفٍ أو انتقاص. من هنا تبدأ أولى درجات التفاهم، ومن هنا تنمو بذور الوحدة الحقيقية. ولقد أثبتت تجارب الأمم أن المجتمعات لا تنهض بالخطابات وحدها، بل بالاحترام المتبادل، وبقدرتها على تحويل الاختلاف إلى طاقة بناء لا أداة هدم. والتاريخ شاهدٌ على أن أكثر الحروب ضراوة بدأت من كلمة، وأن أجمل المصالحات كذلك وُلدت من كلمةٍ طيبة صادقة خرجت من قلبٍ مؤمن بالإنسان قبل كل شيء.
وإننا حين نختار أن نكون لطفاء في زمن القسوة، فإننا لا نمارس الضعف، بل نعلن عن قوةٍ من نوعٍ آخر — قوة الحكمة. فالكلمة الطيبة ليست مجرد صوتٍ جميل، بل فعلٌ اجتماعيٌّ له أثرٌ يتجاوز حدود الموقف الآني. ولعلّ أجمل ما يمكن أن نغرسه في هذه الأرض التي جمعتنا هو الإيمان بأننا – مهما اختلفنا – ننتمي إلى إنسانيةٍ واحدة، تتسع للجميع وتستحق أن نحافظ عليها.
فالتآخي ليس شعارًا يُرفع في المناسبات، بل سلوكٌ يُمارس كل يوم: في طريقة حديثنا، في تعاملنا، وفي نظرتنا لبعضنا البعض. وفي النهاية، لا أحد يخسر حين يكون طيبًا. بل نحن جميعًا نربح، لأننا نحفظ للإنسان في داخلنا نقاءه. فليكن شعارنا الدائم: قل خيرًا، واصنع سلامًا، وازرع أثرًا طيبًا يبقى بعدك، وهذه عقيدة الروح.
واخيرا أقول: إن الطريق إلى ترميم ما تهدّم لا يبدأ بالمشروعات الكبرى ولا بالشعارات العالية، بل بكلمةٍ طيبة تُقال في لحظة صدق، فتُعيد للإنسان ثقته بالإنسان. لنجعل من لغتنا جسرًا، لا سيفًا، ومن حضورنا في الحياة إضافةً، لا انقسامًا. فكل سلامٍ يبدأ من قلبٍ قرّر أن يقول خيرًا، وكل نهضةٍ تُبنى على احترامٍ متبادلٍ بين المختلفين. هذه هي رسالتي، وهذا إيماني بأن في الكلمة الطيبة خلاصنا الإنساني. وصلى الله على سيدنا محمد الوصف والوحي والرسالة والحكمة وعلى آله وصحبه وسلم تسليما..