حين انحنى الكرملين لعالِمٍ كوردي : رشاد ميران و وسام بوشكين

د. ابراهيم احمد سمو

صباحٌ مختلف ذاك الذي حمل معه الرابع من تشرين الثاني عام 2025، حين ارتفع اسمٌ كوردي في قصر الكرملين بموسكو، يرفرف على أنغام نشيدٍ روسيٍّ رسميٍّ ومشهدٍ مهيبٍ يليق بالكبار. في ذلك اليوم، قُلّد الأكاديمي الكوردي الپرۆفسیۆر ( رشاد ميران ) وسام بوشكين من الدرجة الأولى، وهو أعلى وسامٍ ثقافيٍّ روسيٍّ يُمنح تكريماً للإسهامات الأدبية والعلمية في ميدان الثقافة والتبادل المعرفي.
وللمرة الأولى في التاريخ، يُمنح هذا الوسام ل كوردي حمل علمه في مجالاتٍ نادرةٍ قلّ من خاضها — علم الإنسان (الأنثروبولوجيا) والإثنوغرافيا، أي دراسة الشعوب وثقافاتها وعلاقاتها المتبادلة، لا سيما بين كوردستان وروسيا.

لم أكن أعرف الدكتور (رشاد ميران ) عن قرب، لكن اسمه ظلّ يتردد في محافل البحث والدراسة، يتسلل إلى سمعي بين حينٍ وآخر. أراه في هوامش الكتب الأكاديمية، وفي المراجع التي يعتمدها الباحثون في بحوثهم حول الإنسان والمجتمع، وحول الكورد في سياقاتهم التاريخية والثقافية. ومع مرور الوقت، صار اسمه علَماً في مجالٍ علميٍّ قلّ من تخصّص فيه من أبناء جلدتنا.

ولأننا، نحن الكورد، نعتزّ بكل من يرفع راية العلم والإنسانية باسمنا، فقد شعرت بالفخر حين رأيت صورته على شاشات التلفاز الروسي الرسمي، وهو يتقلّد الوسام من يد الرئيس فلاديمير بوتين نفسه. هناك، في قلب الكرملين، كان الوقار بادياً على محيّاه، وفي ملامحه ما يُذكّر بصلابة الجبال الكوردية وعمق تراثها. لحظةً نادرةً حين امتزج الشيب بالهيبة، والعلم بالانتماء، والعربية بالكوردية والروسية في مشهدٍ واحدٍ يختصر رحلة عالِمٍ وإنسان.

ولعلّ ما زادني إعجاباً، تلك الكلمة البسيطة التي قالها بالكوردية وهو يتسلّم الوسام: «زۆر سۆپاس» — شكراً جزيلاً. كلمة موجزة لكنها تختصر قروناً من الصمت، وتنطق باسم أمةٍ طالما ناضلت من أجل أن يُسمع صوتها في المحافل الدولية. كانت تلك اللحظة أكثر من تكريمٍ فرديٍّ، كانت إشارةً رمزيةً إلى أن الكورد حاضرين، علماً وفكراً وثقافة، في قلب واحدةٍ من أعرق الحضارات المعاصرة.

ما نُقل عبر الإعلام الروسي والعالمي عن هذا الحدث كان كبيراً، لكن ما أحزنني هو غياب التفاعل الجزء العربي من العراق رغم انتشار الخبر في وسائل الإعلام المحلية.والفضائيات العالمية و الكوردية ؛ الشوفينين لم يتحركوا جهدا في النشر و حتى أولئك الذين يملكون المنابر لم يتحرك أحد لنشر الخبر ، وكأن فرحةً كهذه لا تخصّهم. ومع ذلك، عوّضتنا منصات التواصل الاجتماعي عن ذلك الغياب، إذ انتشر الخبر انتشار النار في الهشيم، وتحوّل إلى حديث الناس والمثقفين في مختلف أنحاء كوردستان والعالم.

إن حصول الدكتور (رشاد ميران ) على ميدالية بوشكين ليس حدثاً عابراً، بل هو تاريخ ثقافيٌّ كوردي جديد. إنه اعترافٌ أمميٌّ بقيمة العطاء الأكاديمي الكوردي، واعترافٌ ضمنيٌّ بأن للكورد حضوراً فاعلاً في ميدان الفكر والبحث العلمي لا يقلّ عن حضورهم في ميادين السياسة والنضال.
لقد استطاع هذا الباحث أن يبني جسراً متيناً بين الثقافتين الروسية والكوردية، عبر دراساته وترجماته وبحوثه في علم الإنسان، حيث اشتغل على فهم التفاعل الحضاري بين الشعوب، وعلى تقديم صورةٍ واقعيةٍ عن الكورد بعيداً عن الصور النمطية أو المقولات السياسية الجاهزة.

ومَن يعرف علم الإثنوغرافيا يدرك كم هو علمٌ دقيقٌ ومعقّد، يتطلب الصبر والدراسة الميدانية والمعرفة العميقة بالثقافات واللهجات والسياقات الاجتماعية. لذلك، لم يكن اختيار (رشاد ميران ) عشوائياً، بل جاء تتويجاً لمسيرةٍ علميةٍ حافلةٍ بالعطاء، امتزج فيها البحث بالتواصل الإنساني، والملاحظة الأكاديمية بالفهم الثقافي، حتى غدت كتاباته مراجع أساسية يعتمدها طلاب العلم والباحثون في الجامعات الروسية والأوروبية.

سيبقى الرابع من تشرين الثاني (نوفمبر) 2025 يوماً مخلّداً في الذاكرة الكوردية، يوماً تسجله «بيبليوغرافيا الكورد» بأحرفٍ من نور. يومٌ حمل إلينا صورةً جميلةً من صور الكوردي المثقف، الإنسان قبل كل شيء، الذي حمل رسالته بعلمٍ وهدوءٍ، فبلغ العالمية دون ضجيج.
رحلة الپرۆفسیۆر ( رشاد ميران ) ليست فقط انتصاراً له، بل لكل كوردي آمن أن طريق الحضارة يمرّ من بوابة العلم، وأن رفعة الشعوب لا تكون إلا بسعيها نحو المعرفة، والانفتاح، والتبادل الثقافي.

فكل الشكر للپرۆفسیۆر (رشاد ميران) ، الذي ذكّرنا أن الكلمة والبحث والمعرفة ما زالت سلاح الشعوب الراقية، وأن ميدالية بوشكين ليست مجرد وسامٍ يُعلّق على الصدر، بل هي عنوان تقديرٍ لإنسانٍ حمل العلم، فأضاء به طريق أمّته نحو العالم

قد يعجبك ايضا