جيل 1900.. حين كان العالم ينهار، وكان الكورد يُتركون خارج التاريخ

ماهين شيخاني

تخيل أنك وُلدت في عام 1900

سوف تعيش قرناً ليس كغيره من القرون؛ قرناً يفيض بالحروب، والأوبئة، والمجاعات، وانهيار الإمبراطوريات. في الرابعة عشرة من عمرك، تندلع الحرب العالمية الأولى، لتشتعل معها واحدة من أكثر المآسي الإنسانية دموية. وقبل أن يلتئم الجرح، تضرب البشرية الإنفلونزا الإسبانية، لتقتل عشرات الملايين في ظرف عامين. وفي التاسعة والعشرين، ستشهد الانهيار الاقتصادي العالمي الذي زعزع أركان المجتمعات الحديثة. ثم ستندلع الحرب العالمية الثانية التي ستمزق الكوكب مرة أخرى، وتترك وراءها أكثر من سبعين مليون قتيل.

لكن وسط هذا الدمار الشامل، هناك مأساة أعمق مأساة شعبٍ حُرم من حقه في الوجود السياسي. فمع نهاية الحرب العالمية الأولى وسقوط الدولة العثمانية، وُعد الشعب الكوردي بحق تقرير المصير في معاهدة سيفر عام 1920، لكن هذا الوعد سرعان ما أُجهض في معاهدة لوزان عام 1923. وبينما كانت شعوب أوروبا تُمنح أوطاناً جديدة وتستعيد سيادتها، كان الشعب الكوردي يُقسم على خرائط المنتصرين بين أربع دول: تركيا، العراق، سوريا، وإيران.

جيل الكورد المولود عام 1900 لم يعش فقط رعب الحروب العالمية، بل وجد نفسه أيضاً ضحية خرائط أُرسمت من دون حضوره. في الوقت الذي كانت الأمم تعيد بناء دولها من تحت الركام، كان الكورد يُحرمون من بناء دولتهم أصلًا. في الوقت الذي كانت أوروبا تداوي جراحها، كان الكورد يُمنعون من لغتهم، ويُطاردون من جبالهم، ويُجردون من هويتهم.

ومع كل ذلك، بقي هذا الجيل صلباً

لم تكن لديه دول عظمى تحميه، ولا تحالفات دولية تدافع عنه، بل كانت لديه إرادة البقاء. قاوم الإقصاء والإنكار، وورّث أبناءه لغة وهوية وثقافة راسخة، وسط محاولات دؤوبة لطمسها. إن القضية الكوردية لم تولد من فراغ، ولم تكن نتيجة صراع داخلي عابر، بل هي نتاج مباشر لهزات القرن العشرين الكبرى.

جيل 1900 من الكورد عاش كل مآسي البشرية، لكنه لم يجنِ ثمار العدالة الدولية. لقد كان حاضراً في قلب العاصفة، وغائباً عن طاولة القرار. واليوم، ونحن نعيش أزماتنا الحديثة — مهما كانت قاسية — يجدر بنا أن نتذكر ذلك الجيل الذي عاش الحروب والأوبئة، ورأى الخيانة السياسية بأمّ عينيه، ومع ذلك لم ينكسر.

جيلٌ صنع ذاكرة المقاومة، وغرس بذور المطالبة بالحرية رغم الصمت الدولي.

القضية الكوردية إذاً ليست مجرد ملف سياسي قابل للمساومة أو التأجيل؛ إنها قصة جيلٍ بأكمله عاش كل مآسي القرن العشرين ولم يُمنح حق الحياة الكاملة. هي مرآة لتاريخٍ أدار ظهره لشعبٍ لم يفعل سوى التمسك بحقه الطبيعي في الوجود.

قد يعجبك ايضا