الركاع وديرة عفج… العراق بين فساد الوعود وجفاف الأمل

مهند محمود شوقي

يُقال في الأمثال الشعبية العراقية القديمة: “قيم الركاع من ديرة عفج”، وهي عبارة ساخرة ذات جذور اجتماعية عميقة. تعود قصتها إلى أكثر من قرنٍ من الزمان، حين جاء عاملُ أحذية إلى قضاء عفك، وافتتح دكانًا صغيرًا لتصليح النعال والأحذية. لكن أحدًا من الأهالي لم يكن يملك ما يُصلّحه، فإما لأنهم حفاة، أو لأنهم يطلبون منه الخدمة مقابل الدعاء فقط. فكان كل من يأتيه يقول: “بروح أبوك، فد مسمار هنا، فد خيط هناك”، ثم يرحل دون أن يدفع شيئًا. وبعد أيام من الخسارة والعجز عن الكسب، رفع العامل يده يائسًا وقال عبارته الشهيرة: “قيم الركاع من ديرة عفج” — أي كيف يُنتظر الإصلاح من أرضٍ لا تعرف معنى الإصلاح.
وهذا المثل الشعبي ما يزال حيًّا في وجدان العراقيين، لأنه يعكس تمامًا حال البلد اليوم، خصوصًا ونحن على أبواب انتخاباتٍ جديدة، يُراد لها أن تكون بداية التغيير، لكنها تبدو وكأنها إعادة تدويرٍ للفشل ذاته، بأسماء جديدة وشعارات قديمة.

فمحافظة الديوانية، كما سائر المحافظات العراقية، تعيش منذ عقدين حالةً من التراجع المرير. تفتقر إلى الخدمات الأساسية، تغرق في العطش، وتئن من انقطاع الكهرباء وسوء البنى التحتية. الزراعة التي كانت يوماً مفخرة الجنوب العراقي تحولت إلى ذكرى؛ فالأراضي تُترك بلا حراثة، والمياه التي كانت تسقيها جفّت، بعد أن انحسر نهرا دجلة والفرات إلى مستوياتٍ خطيرة، تاركين وراءهما أراضي قاحلة ومزارعين خائبين.

أما الصناعة، فقد انهارت تحت وطأة الفساد وسوء الإدارة. المصانع أُغلقت، والمعامل التي كانت تشغل آلاف الأيدي العاملة صارت أطلالًا من إسمنتٍ متهالك. الدولة لم تنجح في خلق بدائل حقيقية أو خططٍ إنقاذ، بل تحولت مؤسساتها إلى مراكز محاصصة حزبية، تتقاسمها الكتل السياسية كما تُقسم الغنائم، لا كما تُدار الدول.
الفساد اليوم لم يعد طارئًا، بل صار جزءًا من البنية الإدارية والاقتصادية. الوزراء يتبدلون، لكن أسلوب السرقة واحد. الأحزاب تتحدث عن الإصلاح ومحاربة الفساد، لكنها هي التي تُغذّيه من الداخل. وكلما اقتربت الانتخابات، انهالت الوعود من جديد: بناء مستشفيات، وتوفير فرص عمل، وتحسين الكهرباء والماء، وكأن العراق بلا ذاكرة ولا وعي.

من ديرة عفج إلى الديوانية وسائر المحافظات… حكاية بلدٍ يزرع الوعود ويحصد السراب.
في الديوانية، كما في الموصل والبصرة وبغداد، تتكرر المشاهد ذاتها: شوارع محطمة، شباب عاطلون، ووعودٌ تُطلق كل أربع سنوات ثم تُدفن تحت شعاراتٍ جديدة. ومع كل دورة انتخابية، يُعاد إنتاج المأساة بلغة أكثر بريقًا وأقل صدقًا.

الحكومات العراقية المتعاقبة أثبتت ضعفًا فادحًا في الأداء، فهي لا تملك رؤيةً اقتصادية ولا تخطيطًا استراتيجيًا. معظم قراراتها آنية، تهدف إلى امتصاص الغضب لا إلى بناء دولة. وعندما تتفاقم الأزمات — من الفقر إلى البطالة، ومن شح المياه إلى تلوث البيئة — تكون الإجابة دوماً واحدة: “الظروف صعبة”، وكأن قدر العراقي أن يعيش في عجزٍ دائم لا نهاية له.

أما جفاف دجلة والفرات، فليس مجرد أزمة مناخية، بل كارثة وطنية تمس حياة الملايين. فالمياه التي كانت تروي السهول أصبحت ورقة ضغط بيد دول الجوار، فيما الحكومة العراقية تقف متفرجة، منشغلة بخلافاتها الداخلية. ومع تراجع الزراعة، هُجرت القرى وتزايدت البطالة والفقر، حتى صار الجنوب الذي يُفترض أن يكون خزان العراق الغذائي يعيش على المساعدات والوعود.
هكذا تبدو الصورة اليوم: بلدٌ غني بثرواته، فقير بإدارته، غارقٌ في الشعارات التي لا تجد طريقها إلى الواقع. فهل يُعقل أن ننتظر إصلاحًا من ذات الطبقة السياسية التي أفسدت كل شيء؟ وهل يمكن أن يُقيم “الركاع” اقتصادًا من “ديرة عفج”؟
إنّ المثل الشعبي القديم لم يكن مجرد حكاية، بل نبوءة عراقية باكرة لما نعيشه اليوم. فحين تتكرر الأخطاء ذاتها، وتُعاد الوجوه ذاتها، لا يمكن الحديث عن تغيير، بل عن تدويرٍ للخراب في دائرةٍ لا تنتهي.

ومع اقتراب موعد الانتخابات الجديدة، يتضح أن المشهد لا يحمل ملامح التغيير بقدر ما يعيد تدوير ذات القوى التي حكمت البلاد منذ أكثر من عشرين عامًا. الأحزاب ذاتها، الوجوه ذاتها، والخطابات نفسها التي ترفع رايات “الإصلاح” بينما تُخفي تحتها شبكات المصالح والصفقات. المواطن العراقي بات يدرك أن اللعبة الانتخابية في شكلها الحالي لا تتجاوز كونها سباقًا لتبديل المقاعد لا لتبديل النهج، وأن الصندوق الذي يُفترض أن يكون أداةً للتغيير أصبح في نظره مجرد أداةٍ لتكريس العجز ذاته.

تراجعت الثقة الشعبية بالعملية الانتخابية إلى أدنى مستوياتها، لأن النتائج كانت دائمًا محسومة لصالح من يملك المال والسلاح والنفوذ، لا لصالح من يملك الكفاءة والضمير. حتى الأصوات الحرة والمستقلة التي حاولت أن تقتحم هذا الجدار اصطدمت بجدارٍ أعلى من الطائفية والمحاصصة والفساد المالي. وهكذا، ما زال العراقيون يعيشون بين وهم التغيير وواقع التكرار، بين صناديق اقتراعٍ تُملأ بالأمل وتُفرغ بالخذلان.

الانتخابات المقبلة، إن لم تُولد من إرادةٍ حقيقية لإصلاح النظام لا تجميله، فستكون مجرد فصلٍ جديدٍ من الحكاية ذاتها. وسنعود بعد إعلان النتائج، كما عاد “الركاع” من ديرة عفج، نرفع أيدينا ونقول: “قيم الركاع من ديرة عفج” — فالإصلاح في عراقٍ كهذا، ما زال حلمًا يُدقّ بمسمارٍ في الهواء.
أعتقد ان العراق اليوم لايحتاج إلى وعود جديدة، بل إلى ضميرٍ جديد، ورؤيةٍ حقيقية تضع المصلحة الوطنية فوق كل اعتبار، حتى يُعيد نهرا دجلة والفرات الحياة إلى الأراضي ويعود الأمل إلى الناس.

قد يعجبك ايضا