هدى زوين-كاتبة واعلامية
حين نذكر الشعب الكوردي، لا يمكن أن نغفل وجهه الآخر: المرأة الكوردية. فهي لم تكن يومًا مجرد ظلّ للرجل أو تابعًا له، بل كانت في قلب المشهد، صانعة للحياة، شريكة في النضال، ومرآة تعكس روح الكرامة التي يتمسك بها هذا الشعب عبر العصور.
منذ قرون، عاشت المرأة الكوردية وسط مجتمعٍ متعدد الأعراف والتقاليد، لكنها لم ترضَ أن تكون هامشًا. واجهت القيود الاجتماعية بشجاعة، وحافظت على قيمها الأصيلة من دون أن تفقد قدرتها على التجدّد. كانت في البيت أمًّا مربية للأجيال، وفي الحقل عاملةً تزرع وتحصُد، وفي ساحات النضال شريكة ترفع الراية جنبًا إلى جنب مع الرجل.
لقد جسّدت المرأة الكوردية معادلة صعبة: فهي حافظة للتقاليد من جهة، ومطالِبة بالحقوق من جهة أخرى. تميّزت بقدرتها على المواءمة بين الأصالة والحداثة، بين واجباتها العائلية ورغبتها في التعليم والعمل والمشاركة. لذلك أصبحت مثالًا على أن التغيير لا يعني بالضرورة القطيعة مع الجذور، بل يمكن أن يكون انطلاقة من صميم الهوية.
ولأنها عاشت في مجتمع واجه الحروب والتحديات، تحوّلت المرأة الكوردية إلى رمزٍ للصبر والصمود. كانت تودّع أبناءها وأزواجها إلى ساحات المعارك، وتبقى هي الحارس الأمين للبيت والأرض. لم تعرف الاستسلام، بل علّمت الأجيال أن التضحية طريق إلى الكرامة، وأن الحفاظ على الأرض لا ينفصل عن الحفاظ على الأسرة.
اليوم، تحتل المرأة الكوردية مكانة بارزة في ميادين التعليم، والثقافة، والسياسة، والفن. أثبتت أنها قادرة على الإبداع، وعلى إيصال صوتها في المحافل المختلفة. ومع ذلك، ما زالت تناضل من أجل المزيد من العدالة والمساواة، واضعة أمام عينيها هدفًا واحدًا: أن تكون إنسانة كاملة الحقوق، ومواطنة فاعلة في وطنٍ يحتضن أبناءه جميعًا.
المرأة الكوردية ليست مجرد شخصية اجتماعية، بل هي حكاية مجتمع بأكمله. هي صورة عن الإرادة التي لا تلين، عن التعايش الذي يخلق قوة، وعن الإصرار على أن الكرامة لا تُجزأ بين رجل وامرأة. إنها تجسيد لفكرة أن الحرية لا تُبنى إلا بمشاركة الجميع، وأن العدالة لا تتحقق إلا حين تُسمع أصوات النساء جنبًا إلى جنب مع الرجال.