لماذا تتجذر المركزية في عقلية الحكم العراقي؟!

مهند محمود شوقي

منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة عام 1921، ظل النظام السياسي يعاني من إشكالية بنيوية عميقة تُعرف في علم الاجتماع السياسي بـ”نظرية المركز والأطراف”، وهي النظرية التي تفسّر كيف تتركز السلطة والثروة والنفوذ في مركزٍ واحد – غالباً العاصمة – بينما تُهمّش الأطراف وتُدار بعقلية الوصاية لا الشراكة. هذه النظرية ليست مجرد مفهوم أكاديمي، بل هي واقع سياسي وثقافي شكّل ملامح العراق لعقود طويلة، ورسّخ عقلية الحكم المركزي التي ما تزال تتحكم في مفاصل الدولة رغم كل التحولات الدستورية التي جاءت بعد عام 2003.

العقلية المركزية في العراق لم تولد صدفة، بل تشكلت عبر مراحل متراكمة من التسلط والهيمنة الإدارية. فمنذ العهد الملكي، مروراً بالجمهوريات العسكرية، وحتى الأنظمة الحزبية، بقيت بغداد مركز القرار الوحيد، تتعامل مع المحافظات والأقاليم بعين الريبة لا الثقة، وكأنها “مستعمرات داخلية” تحتاج إلى مراقبة دائمة لا تمكين. ومع كل انقلاب أو تغيير سياسي، لم يتغير جوهر الفكرة: أن من يحكم بغداد يحكم العراق كله.

لكن ما يميّز الحالة العراقية أن المركزية لم تعد مجرد سياسة إدارية، بل تحولت إلى ثقافة متجذرة في وعي النخبة الحاكمة، حيث يُنظر إلى أي مطلب لا مركزي على أنه تهديد للوحدة الوطنية، وأي حديث عن توزيع الصلاحيات بوصفه محاولة لتقسيم البلاد. وهذا ما جعل العلاقة بين المركز والأطراف علاقة صراع دائم، لا تكامل وتوازن.

بعد عام 2003، ظنّ كثيرون أن النظام الفيدرالي الجديد سيقضي على هذه الذهنية، وأن الدستور العراقي الذي أقرّ مبدأ تقاسم السلطة والثروة سيؤسس لمرحلة جديدة من الحكم التشاركي. لكن ما حدث هو العكس تقريباً، إذ سرعان ما أعادت القوى السياسية المركزية إنتاج خطاب الهيمنة تحت عناوين جديدة: “حماية السيادة”، “ضمان العدالة في التوزيع”، و”منع التجزئة”. وبدلاً من أن تكون الفيدرالية خطوة نحو ترسيخ الديمقراطية، جرى التعامل معها كتنازل مؤقت أو كعبء يجب تقييده.

أبرز مثال على ذلك هو تعامل بغداد مع إقليم كوردستان. فبدلاً من النظر إلى الإقليم كجزء فاعل في بناء الدولة العراقية الحديثة، جرى التعامل معه كـ”طرف متمرّد” كلما مارس حقوقه الدستورية أو طالب بحصته من الموازنة أو تصدير نفطه. هذا النهج يعكس عمق التجذر التاريخي للعقلية المركزية التي ترى في تنوع العراق تهديداً لا ثروة، وفي التعدد السياسي عبئاً لا مصدر قوة.

الدستور العراقي لعام 2005 منح الأقاليم، وفي مقدمتها إقليم كوردستان، صلاحيات واضحة تهدف إلى تحقيق توازن حقيقي بين المركز والأطراف، لكنّ معظمها بقي حبراً على ورق. فـالمادة (117) تعترف رسمياً بإقليم كوردستان وسلطاته التشريعية والتنفيذية والقضائية، ومع ذلك ما زالت بغداد تتعامل معه أحياناً كجسم خارج عن الدولة. والمادة (121) تنص على أن سلطات الإقليم لها الحق في ممارسة السلطة التشريعية والتنفيذية في كل ما لا يدخل ضمن الاختصاص الحصري للحكومة الاتحادية، وتمنح الإقليم حق تعديل تطبيق القوانين الاتحادية في إقليمه عند التعارض، لكن الحكومات المتعاقبة تجاهلت هذا الحق عملياً.

أما المادة (112) فقد أقرّت مبدأ “الإدارة المشتركة” للثروات النفطية والغازية بين الحكومة الاتحادية وحكومات الأقاليم والمحافظات المنتجة، إلا أن هذا المبدأ لم يُنفذ، واستُخدم النفط كورقة ضغط سياسية ضد الإقليم. والمادة (140) الخاصة بالمناطق المتنازع عليها، التي كان يفترض حسمها دستورياً قبل نهاية عام 2007، جرى تعطيلها بالكامل، رغم أنها تمثل جوهر العدالة التاريخية لكركوك وسنجار وخانقين ومخمور.

هذه المواد الدستورية التي كان يُفترض أن تؤسس لعراق متوازن ومتعدد الأقطاب، أصبحت شاهداً على فشل الطبقة السياسية في الانتقال من عقلية السيطرة إلى عقلية الشراكة. إذ لم تُبنَ المؤسسات على أساس توزيع حقيقي للصلاحيات، بل على منطق (الهيمنة المركزية) الذي يختزل الدولة في العاصمة ويهمّش الأطراف.

غير أن التجارب الدولية أثبتت أن التوازن بين المركز والأطراف لا يضعف الدولة، بل يعزز قوتها واستقرارها. فألمانيا، التي خرجت من دمار الحرب العالمية الثانية، بنت نهضتها على أساس النظام الفيدرالي الذي منح الولايات (Länder) صلاحيات واسعة في التعليم والاقتصاد والبيئة، مما جعل كل ولاية مركز إنتاج وتنمية. وسويسرا تعدّ مثالاً آخر على نجاح توزيع السلطة، إذ تتقاسم الكانتونات الصغيرة صلاحياتها مع الحكومة الاتحادية في نموذج يحقق الاستقرار رغم التنوع اللغوي والديني الكبير. أما كندا فقد استطاعت الحفاظ على وحدتها رغم مطالب الانفصال المتكررة من مقاطعة كيبك، لأنها اعتمدت مبدأ اللامركزية الفعلية في إدارة الشؤون المحلية والثقافية والمالية، فحوّلت التنوع إلى مصدر توازن لا صراع.

هذه التجارب لا تنبع من فراغ، بل من إيمان عميق بأن الدولة الحديثة لا تُبنى من الأعلى إلى الأسفل، بل من القاعدة إلى القمة. وأن الأطراف ليست “ملحقات” بالمركز، بل شركاء حقيقيون في صنع القرار الوطني. في المقابل، لا يزال العراق أسير المفهوم القديم للدولة الموحّدة الصلبة، حيث يُنظر إلى السلطة كملكية حصرية لمن يجلس في بغداد، وليس كمسؤولية مشتركة بين الجميع. فالمحافظات ما زالت رهينة تعليمات الوزارات الاتحادية، والإقليم يُعامل وفق حسابات سياسية لا دستورية، والموارد الوطنية توزّع بمنطق السيطرة لا العدالة.

هذه الذهنية المركزية ليست مجرد إرث سياسي فحسب، بل انعكاس لبنية اجتماعية وثقافية تقوم على الخضوع للسلطة الأبوية والتسلسل الهرمي، مما يجعل المركز دائماً موضع قداسة، والأطراف موضع تبعية. فالثقافة السياسية العراقية ما زالت تُقاس بمدى القرب من المركز، لا بقدرة الأطراف على صناعة القرار أو المشاركة في صياغته.

إن كسر هذه الحلقة يتطلب ثورة فكرية قبل أن يكون قراراً سياسياً؛ ثورة تعيد تعريف مفهوم الدولة، لا كأداة هيمنة، بل كمنظومة عدالة وتكامل. ويمكن تحقيق ذلك عملياً عبر خطوات ملموسة: تعزيز المجالس المحلية المنتخبة، منح المحافظات والإقليم صلاحيات مالية مستقلة مرتبطة بنظام توزيع الموارد الدستوري، وتفعيل مبدأ الإدارة المشتركة في ملفي النفط والمنافذ الحدودية، بما يضمن تطبيق الدستور لا تأويله.

لقد آن للعراق أن يتعلم من تجارب الأمم التي فهمت أن القوة لا تأتي من احتكار القرار، بل من توزيعه. فلو أرادت بغداد أن تضمن وحدة العراق فعلاً، فعليها أن تتعامل مع أربيل والبصرة والأنبار والنجف وغيرها، بوصفها شرايين متكاملة في جسد واحد، لا أطرافاً تابعة تُدار بالأوامر. إن تطبيق نموذج شبيه بالنموذج الألماني أو الكندي، حيث تتوازن الصلاحيات بين المركز والأقاليم ضمن إطار الدستور، سيمنح العراق فرصة تاريخية للتحول من دولة الخلافات إلى دولة التنسيق، ومن سلطة المركز إلى شراكة الوطن.

فالوحدة لا تُفرض بالقوة، بل تُبنى بالثقة. والثقة لا تُصنع بالقرارات الفوقية، بل بالعدالة في السلطة والثروة. وما لم يدرك صانع القرار في بغداد أن المركز القوي هو الذي يثق بأطرافه لا الذي يخشاها، سيبقى العراق يدور في حلقة مفرغة من التوتر والجمود، بدلاً من أن يتجه نحو دولة المؤسسات والتوازن الحقيقي.

قد يعجبك ايضا