د. ابراهيم احمد سمو
اليوم الثلاثاء، الموافق 28 تشرين الأول 2025، انطلقت في جامعة دهوك أعمال المؤتمر العلمي الدولي الخامس حول الإبادة الجماعية بحق الشعب الكوردي، برعاية الرئيس مسعود بارزاني وبحضور رئيس حكومة إقليم كوردستان السيد مسرور بارزاني والسيد ملا مصطفى بارزاني (بابو)، بمشاركة شخصيات رسمية وأكاديمية وباحثين مختصين في الملف الإنساني والتاريخي للكورد.
يحمل الشعب الكوردي في ذاكرته الجمعية فصولاً ثقيلة بالألم امتدت لأكثر من قرن، توارثتها الأجيال كجراح لم تندمل بسهولة. لم تكن هذه الأحداث صراعات عابرة، بل سلسلة منظمة من محاولات الاقتلاع والإلغاء استهدفت الهوية الكوردية ووجودها القومي داخل العراق.
منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة، واجه الكورد حملات إقصاء ممنهجة وسياسات شوفينية حاولت إبعادهم عن معادلة الوطن، وتحويلهم إلى أقلية صامتة، بلا حقوق أو وجود فعلي.
التاريخ المعاصر للعراق يشهد على جرائم جسيمة ارتُكبت بحق الشعب الكوردي. بدأت مع الكورد الفيلية، الذين هُجّروا قسراً وجردوا من المواطنة، واستخدم بعضهم في مختبرات التجارب الكيماوية، بينما تم تغييب أكثر من عشرين ألف شاب منهم، لم يعثر على رفاتهم لحد الساعة، وتمزقت أسرهم وحُرمت من أبسط حقوق الحياة. وسُفّر آلاف منهم إلى إيران بعد اسقاط الجنسية منهم، ثم طالت الحملات البارزانيين عام 1983، حيث اعتُقل الآلاف ونُفيت عائلات كاملة، وجرت تصفيات للشباب وتجفيف منابع الحياة في مناطقهم، ضمن مخطط واضح لإلغاء الوجود الكوردي وتقويض دوره.
بلغت المأساة ذروتها بين عامي 1987 و1988، مع تنفيذ خطة عسكرية أطلق عليها اسم “الأنفال الكبرى”. آلاف القرى دُمّرت، والأراضي أُحرقت، والناس دُفنوا في مقابر جماعية بلا شواهد، بينما تحوّل مئات الآلاف إلى نازحين في وطنهم. لم تكن هذه عمليات عسكرية دفاعية، بل جريمة إبادة استوفت كل أركانها.
وتأتي حلبجة شاهداً دامغاً على هذه الجرائم. مدينة آمنة قُصفت بالأسلحة الكيماوية في وضح النهار، ما أسفر عن استشهاد خمسة آلاف شخص، رجالاً ونساء وأطفالاً، بينهم الرضع. ما حدث هناك يشكل وصمة عار في التاريخ البشري، إذ استخدمت السلطة المحظورات الدولية لقتل أبناء وطنهم لمجرد مطالبتهم بحقهم في البقاء. ورغم كل هذا، ظل الكورد واقفين، يضمدون جراحهم ويحمون جذوة الحياة في أرواحهم.
عقد المؤتمر الخامس حول الإبادة الجماعية للشعب الكوردي كي لا يتحول الماضي إلى مجرد ذكريات حزينة، بل ليكون دافعاً لبناء المستقبل على أسس العدالة والاعتراف بالحقائق. الهدف هو التأكيد على الحقوق الدستورية التي نص عليها الدستور العراقي، فالدستور ليس نصاً للعرض أو وعوداً مؤجلة، بل عقد شراكة لا يُنتقي منه ما يناسب طرفاً ويُهمل الآخر. الكورد لم يشكلوا عبئاً على العراق يوماً، بل كانوا قوة حقيقية في حماية واستقرار البلاد.
يسعى الكورد إلى سلام عادل يقوم على العدالة والمكاشفة الصادقة، لا على النسيان أو المجاملات السياسية، كي لا تتكرر الكوارث، ويضمن وطناً يتسع الجميع دون تمييز أو تهميش. ويظل الفخر بما قدمه الكورد من نماذج إنسانية حتى في أحلك الظروف، مثالاً على أخلاق شعب يحب الحياة للجميع. فرقتان عسكريتان وقعتا في الأسر، فاختار الكورد إطلاق سراح الأسرى بلا سقوط قطرة دم، رغم المآسي العميقة التي عاشوها.
تحدث الرئيس مسعود بارزاني بكلمات صادقة وهادئة، كشاهد على الأحداث بنفسه لا كمن سمع بها فقط. تحدث عن الصور المعروضة في القاعة، التي تحكي قصص شعب يمتاز بالعزيمة والشرف، شعب تعرض أطفاله ونساءه للقتل ولتجارب الأسلحة الكيماوية. وقدّم رسائل مختصرة وقوية، وجه خلالها نداءً مؤثراً للناجين: أنتم لستم وحدكم، أنتم رمز الشموخ والكرامة، والمصدر الذي يستمد منه الكورد مجدهم وصمودهم.
وأكد الرئيس أن العراق الجديد لا يُبنى إلا بالدستور، وأن الشراكة الحقيقية تتحقق بتطبيق بنوده كاملة دون تلاعب أو تردد. فالدستور هو الحكم والفصل بين الجميع، ولا مكان لإقصاء أي طرف تحت أي ذريعة.
شهد المؤتمر حضور ممثل رئيس الجمهورية، وممثل رئيس الحكومة الاتحادية، ورئيس وزراء إقليم كوردستان السيد مسرور بارزاني، إضافة إلى شخصيات رسمية وذوي شهداء الإبادة. كما تم تكريم الدكتور ياسين راعي المؤتمر بميدالية البارزاني تقديراً لجهوده في حماية الحقيقة من محاولات الطمس والنسيان.
إن هذا المؤتمر يؤكد أن الشعب الكوردي، رغم كل ما واجهه، لا ينحني أمام الظلم، وأن الوعي والتوثيق والعمل الجماعي هما الطريق للحفاظ على الهوية الوطنية وبناء مستقبل عادل ومستقر. إنه تذكير للعالم بأن الحرية والكرامة والمشاركة السياسية ليست شعارات، بل قيم يُحفظها شعبٌ لا ينسى تاريخ معاناته ويصنع منه دروساً للمستقبل