الرئيس بين الفكر والمسؤولية: لقاء الوعي والقيادة مع الطبقة المثقفة –2025/10/20

د. إبراهيم أحمد سمو

بين سطور الخطاب، وبين أنفاس الحاضرين الذين اجتمعوا يوم العشرين من تشرين الأول عام 2025، كان المشهد أكبر من مجرد لقاء عابر بين رئيسٍ وشريحة من المثقفين والفنانين والأدباء والإعلاميين. كان لقاء وطنٍ مع ذاته، وحديث ضميرٍ مع العقول التي تحمل القلم والفكر والأمل.

كنت أتمعن في تفاصيل الخطاب، وحين انتهى اللقاء وجلست وحيدًا أتأمل ما قيل، سألني أحد المقربين – وهو من المهتمين بآراء الحضور – عن رأيي الحقيقي فيما طرحه الرئيس. لم أشأ حينها أن أُفصح مباشرة، لأن الموقف كان أعمق من تعليق عابر، ولأن مثل هذه اللحظات تكثر فيها التأويلات. آثرت أن أؤجل الإجابة، على أن أكتب لاحقًا ما يستحق أن يُقال، لا مجاملةً ولا انفعالًا، بل عن قناعةٍ نابعة من تأملٍ عميقٍ ومسؤولية الكلمة.

واليوم أكتب لا لأمدح شخصًا بقدر ما أصف واقعًا ورؤية.
فالرئيس – وبكل صراحة – يستحق أن يقود البلاد، لا في تفرقها وتشتتها، بل في وحدتها واستقرارها، في هذه اللحظة الحرجة من تاريخنا التي تحتاج إلى قائدٍ يملك الحكمة والهدوء والقدرة على اتخاذ القرار الصعب.

في خطابه الأخير، بدا واضحًا أن الرئيس يحمل رؤية متماسكة لبناء وطنٍ قائم على السلام والأمان، ضمن حدود المؤشر في الدستور وحدود آمنة يسودها احترام الذات والهوية والإنسان. وقد اختتم كلمته ضمناً بنغمةٍ وطنيةٍ عميقة حين دعا الجميع إلى التكاتف وحمل القلم، لأن المعركة القادمة – ستكون بالقلم والفكر . تحدث بتفصيلٍ دقيق عن تاريخ العراق منذ التأسيس وحتى اليوم، وعن العلاقة المتقلبة مع الكورد، مؤكدًا أن التهميش والمركزية ما زالا عقبتين رغم وضوح الدستور وصراحة مواده.
لقد كان ذلك اللقاء بحق لحظةً جمعت بين التاريخ والمستقبل، بين الفكرة والروح.

تميز الرئيس بهدوئه المعهود وببصماته التاريخية التي تركها عبر عقودٍ طويلةٍ من النضال والعمل الدؤوب من أجل القضية الكوردية. لم تكن مسيرته و مسيرة الامة خالية من التحديات، بل كانت مليئة بالمخاطر والتضحيات. فقد جعل من القضية أولويةً مطلقة، ودفع بالنفس فداءً لها، وسجل في التاريخ أسماءً وصفحاتٍ من النضال من أجل حق الإنسان الكوردي في الحرية والكرامة.

على امتداد قرنٍ ونيف، ومنذ أكثر من أربعةٍ وثلاثين عامًا تحديدًا – منذ الانتفاضة وما قبلها من الثورات – كانت مسيرة النضال التي خاضها هذا الرجل مثالًا في الثبات والإصرار. لم تكن الانتصارات وحدها ما ميّز تاريخه، بل حتى الانكسارات التي مرّ بها تحولت بوجوده إلى دروسٍ في الصبر والصمود والإرادة.

إنه قائدٌ واجه المؤامرات الخارجية من الانظمة العراقية المتتالية في العراق ، حيث تعاقب على حكم البلاد من لم ينصفوا الكورد. ومع ذلك لم يعرف الرئيس في قاموسه الخوف ولا التردد أمام أي قرارٍ يخدم القضية الكوردية. تحمل بصبرٍ ومسؤوليةٍ من أجل المصلحة العامة، واختار دائمًا طريق التهدئة والوحدة، مقدمًا المصلحة العليا للوطن على أي اعتباراتٍ شخصية أو حزبية.

لقد كان خطابه الأخير أمام الطبقة المثقفة نموذجًا في الوضوح والصراحة والمسؤولية. تحدث إلى الأدباء والفنانين والصحفيين وأهل القلم بلغة العقل لا العاطفة، وبصوتٍ هادئٍ يحمل عزيمةً لا تلين. قالها ضمنًا: الآتِي على عاتقنا كبير، والوطن لا يُبنى إلا بالقلم.
بهذا المعنى وضع الرئيس المثقفين في موقعهم الطبيعي كركيزةٍ أساسية في بناء الدولة الحديثة، مؤكدًا أن الدفاع عن الوطن لا يكون بالسلاح وحده، بل بالقلم والفكر والكلمة الصادقة.

وأشار أيضًا إلى أن وجود قوات البيشمركة في جهوزيةٍ دائمة لا يعني أن السلاح هو الحل، بل أن السلام هو الغاية، وأن القوة الحقيقية للوطن تكمن في تماسك أبنائه ووحدة رؤيتهم. وأمام هذا الطرح الواقعي المسؤول، شعرنا جميعًا أن الرئيس لا يتحدث من موقع السلطة فحسب، بل من موقع الإيمان بقدرة الإنسان الكوردي على صنع مصيره بيده، عبر العلم والثقافة والعمل المشترك.

وأنا أكتب هذه السطور، لا أخفي أنني تأثرت بصدق كلماته وعمق نظرته، حتى وجدت نفسي غارقًا في أفكاري أبحث عن كلماتٍ تليق بالموقف. لم يكن ذلك عن ضعف، بل عن إحساسٍ صادقٍ بأن القائد الذي يقف اليوم أمامنا هو ذاته الذي حمل الهمَّ الكبير عن شعبه لعقودٍ طويلة.
أي عبءٍ هذا الذي يتحمله الرئيس؟ وأي ثقلٍ ذاك الذي يضعه التاريخ على كتفيه؟ إن المواطن العادي يدرك تمامًا حجم الضغوط والمؤامرات التي يواجهها، و كيف بنا نحن اهل القلم لا ندركها ؛ ومع ذلك فإن هذا الرجل يواصل المسير بثقةٍ وصبرٍ وهدوءٍ قلَّ نظيره.

في شخص الرئيس تتجسد مقومات القيادة الأصيلة: تاريخٌ مشرف، نضالٌ صادق، إرادةٌ فولاذية، ورؤيةٌ وطنيةٌ صافية. ولعل أبرز ما يميزه هو قدرته على جمع المختلفين حول هدفٍ واحد، وإشعال الأمل في النفوس حتى في أحلك الظروف.

وأنا – العبد البسيط الذي لا يملك سوى القلم – أجد نفسي مدفوعًا لأن أكتب لا عن الرئيس فحسب، بل عن وطنٍ يستحق الحياة، عن أرضٍ كُتبت عليها سطور النضال بالدم والعرق، عن حلمٍ لم يمت لأن هناك من لا يزال يؤمن به.

إن هذا اللقاء التاريخي بين الرئيس والطبقة المثقفة سيكون، في تقديري، نقطة انطلاقٍ جديدة نحو مرحلةٍ من الوعي الوطني تُبنى فيها الجسور بين الفكر والسياسة، بين المثقف وصانع القرار، بين الحلم والواقع.
فالوطن لا يُبنى إلا حين تتحد الكلمة مع الموقف، ويصبح القلم شريكًا صادقًا في صياغة المستقبل.

قد يعجبك ايضا