حين يُصبح الحنين موقفًا: الأغنية كفعل اجتماعي ووجودي، حسام الرسّام إنموذجًا

محمد قفطان

في لحظة اجتماعية حرجة، حيث تاهت البوصلة بين الفقد والانتماء، شكّلت أغاني حسام الرسام امتدادًا عاطفيًا لوطنٍ صار أكثر حضورًا في الذاكرة من الواقع. لم تكن تلك الأغاني مجرد تعبيرات فنية، بل كانت فعلًا فلسفيًا في مقاومة التلاشي، محاولة لإعادة تعريف العلاقة بين الفرد والمكان. “عندي وطن” لم تكن جملة رومانسية، بل تساؤلًا وجوديًا عن معنى الوطن حين يُصبح غائبًا أو مُغيّبًا. بهذا المعنى، تحولت الأغنية إلى أداة وعي، لا تواسي فحسب، بل تُربّي حسًا جمعيًا رافضًا للنسيان.

في أغنية “مو كالو جديد الوطن”، لا يُطرح الوطن كجغرافيا مستحدثة، بل كسؤالٍ فلسفي عن التجديد في ظل الثبات العاطفي. الأغنية تلامس شعور الخيبة حين تُعاد صياغة البلاد بمفردات لا تشبهها، وتُسلب من الناس ملامحها التي عرفوها بها. “مو كالو جديد الوطن؟” ليس استنكارًا ساذجًا، بل نقدٌ اجتماعي عميق لفكرة التحوّل القسري، حين يُعاد طلاء الوطن بلونٍ لا يعرف طين أهله. بهذا تصبح الأغنية مقاومة ناعمة، تؤمن أن الوطن لا يُخلق من قرارات، بل من ذاكرة الناس، من وجوههم ولهجاتهم وأحلامهم الصغيرة.

في زمنٍ كانت فيه بغداد فكرة أكثر من كونها مكانًا، جاءت أغنية “سمعت بغداد” لتوقظ الذاكرة الجمعية من سباتها. لم تكن مجرد وصفٍ لمدينة، بل كانت استدعاءً فلسفيًا لمعنى الحنين حين يتحوّل إلى هوية. وتأسيسًا لمفهوم الوطن كحالة شعورية مركّبة تمتد من الحواس إلى المعنى. الأغنية بذلك لم تحكِ عن بغداد فحسب، بل حرّضت على استعادتها كفكرة، كأم، كملاذ، وكحقيقةٍ داخل كل من ظنّ أنه نسي.

هكذا يتجاوز تأثير الأغنية حدود الترفيه، لتتحول إلى خطابٍ نفسيٍّ وجمعيٍّ موازٍ للخطاب السياسي والاجتماعي. فالأغنية بما تحمله من طاقة رمزية ومخيال جماعي تمارس دورًا في تشكيل الوجدان أكثر مما تفعل الخطب أو البيانات. حين يغني الناس معًا، فإنهم لا يرددون كلماتٍ فقط، بل يُعيدون بناء ذواتهم ضمن هويةٍ مشتركة. إنها فعل توحيدٍ لا يُرى، لكنها تخلق توازنًا داخليًا بين الفقد والأمل.

نفسيًا، تعمل الأغنية كصوتٍ بديل للذات المرهقة. في مجتمعٍ مثقلٍ بالخذلان، تصبح الموسيقى وسيلةً لتصريف الألم دون تمرده الفوضوي. الأغنية هنا تلعب دور “العلاج الجمعي”، حيث يجد الفرد ما يشبهه في صوت المطرب، في لهجته، في بكاء المقامات الشرقية، وفي المسافة بين “آه” وأخرى. ومن خلال هذا التماهي، يتولد شكل من أشكال التوازن النفسي بين ما لا يمكن قوله، وما يمكن إنشاده.

أما اجتماعيًا، فالأغنية تُعيد وصل ما انقطع. إنها لغة تذكّر الناس بأنهم رغم اختلافاتهم، يشتركون في الوجع ذاته. لذلك حين ينتشر لحن حسام الرسام في الأعراس والمقاهي والحافلات، فإنه لا يفعل ذلك كمنتج تجاري، بل كنداءٍ ضمنيٍّ للانتماء. الأغنية هنا تُعيد صياغة العلاقات الاجتماعية من خلال المشاركة في الوجدان، لا في المصلحة.

وفكريًا، تُعيد الأغنية بناء الوعي الجمعي من الداخل. فحين يتكرر سؤال مثل “عندي وطن؟”، يتحول من شجنٍ فردي إلى مراجعة فكرية جماعية: ما معنى أن ننتمي؟ وما الذي يجعل المكان يستحقنا؟ في هذه اللحظة، تُصبح الأغنية أداة تفكير بقدر ما هي أداة إحساس. إنها تُسائل الواقع وتفضح الخدر الجمعي، دون أن ترفع شعارًا واحدًا.

إن تجربة حسام الرسام ليست مجرد مسار فني، بل دراسة في الذاكرة العراقية الحديثة. أغانيه تُمثل وثيقة وجدانية لجيلٍ عاش انكساراتٍ متتالية، ووجد في الصوت وسيلةً للبقاء. فحين تُغني الناس معًا عن وطنٍ موجوع، فإنهم في الحقيقة يُعلنون عن استمرار الوجود، ولو من خلف الركام.

بهذا المعنى، تبقى الأغنية العراقية بصدقها، بوجعها، وبحساسيتها الاجتماعية أعمق من أن تُختزل في مقطعٍ موسيقي. إنها ذاكرةٌ تُغنّى، وموقفٌ يُلحن، ووطنٌ يُقاوم.

قد يعجبك ايضا