مهند الصالح
رغم الانتكاسة الديمقراطية التي تعيشها بلادنا بفعل معوقات متعددة، بعضها حزبي داخلي، وبعضها الآخر مرتبط بطبيعة السلطة الحاكمة، يبقى الأمل قائماً في تحوّل ديمقراطي حقيقي، يخرج البلاد من واقعها المتردي نحو مستقبل أفضل، يجعلها في مصاف الدول الكبرى. فما أضيق العيش لولا فسحة الأمل.
الجماهير أو الشارع هو العنصر الأساس في أي مشهد سياسي، فبدونه لا وجود حقيقي للديمقراطية. الشعوب العربية، رغم اهتمامها الكبير بالشأن السياسي، تبقى من أقل الشعوب انخراطاً في الأحزاب وأكثرها عزوفاً عن الانتخابات. ويرجع ذلك إلى فقدان الثقة بالعملية الانتخابية كأداة للتداول السلمي للسلطة، فضلاً عن الأداء الضعيف للأحزاب، ما جعل المواطنين ينفرون منها.
تُضاف إلى ذلك الحالة الاجتماعية المتدهورة، والتي دفعت المواطن العربي للتركيز على تأمين لقمة العيش كأولوية قصوى، متجاوزاً بذلك أي مشاركة سياسية أو انخراط حزبي أو نضال مدني.
في المقابل، تعتبر الأنظمة العربية من أكثر الأنظمة تعقيداً من حيث تركيبتها السياسية، فهي مزيج هجين بين رجال السياسة ورجال المال، ما يصعّب من فكرة تقبّل التداول السلمي للسلطة في كثير من المناصب. هذا الخليط المعقّد أدى إلى تهميش البرامج والأفكار داخل الأحزاب، وركّز الجهود على التموقع والتقرب من دوائر النفوذ، ما طغى على الروح الجماعية وأفرز قيادات سياسية تُقدّم مصالحها الخاصة على المصلحة العامة، وتخشى التنشئة السياسية والتكوين الداخلي حفاظاً على مواقعها.
أصبحنا أمام أحزاب بلا هوية، بلا إيديولوجيات أو مذاهب فكرية واضحة، ما جعل الجماهير تنصرف عنها. أما على مستوى البنية والتنظيم، فالوضع أسوأ، إذ أن معظم الأحزاب تفتقر إلى مؤسسات حزبية حقيقية تُنتج الأفكار وتُقدّم البرامج، بل تحوّلت إلى هياكل انتخابية مؤقتة، تُستنهض فقط خلال موسم الاقتراع.
ومع عزوف الشارع عن المشاركة السياسية، فقدت الأحزاب الرابط الحيوي الذي كان يمكن أن يُمهّد لوصولها إلى السلطة بشكل ديمقراطي وسلمي.
إن الأمل في بناء ديمقراطية حقيقية لا يزال قائماً، لكنه يحتاج إلى عمل طويل الأمد، يبدأ بإعادة الثقة بين المواطن والمنظومة السياسية، ويمر بإصلاح الأحزاب من الداخل، وتقديم رؤية جديدة قادرة على إقناع الشارع بأن التغيير ممكن وأن للمواطن دوراً في رسم ملامحه.