ذاكرة الألوان في وجه الإبادة الجماعية

حسو هورمي

تمهيد

حين يعجز التاريخ عن قول الحقيقة كاملة، يتكفّل الفن بما تبقّى من الذاكرة. في وجه العنف والإبادة، لا يملك الإنسان سوى أن يرسم، وينحت، ويغنّي، ليقول: “أنا ما زلت هنا.” هذا المقال يتأمل في كيفية تحوّل الفن من مجرد تعبير جمالي إلى قوة مقاومة وشفاء وعدالة، تحفظ الذاكرة وتعيد للضحايا أصواتهم، وتبني من رماد المأساة أملاً جديداً.

الفنّ ضدّ النسيان

ليست الإبادة الجماعية مجرد واقعةٍ في كتب التاريخ، بل جرحاً مفتوحاً في ضمير الإنسانية. إنها ليست فعلاً للقتل فقط، بل مشروعاً لمحو الوجود ذاته – لمحو الوجوه، والأسماء، والذاكرة. وفي مواجهة هذا المحو، يقف الفن كفعل مقاومةٍ مضيئة، يحرس ما حاول الجلادون دفنه في العتمة.

أولاً: الفنّ كذاكرةٍ حارسة

حين تُسحق الوثائق وتُحرَق الشهادات وتُزوَّر الحقائق، يبقى الفنُّ شاهداً لا يُكذَّب. الرسوم التي خلّفها الناجون من معسكرات الاعتقال ليست خطوطاً على ورق، بل نبضات خوفٍ وحياة، وشهادات بصرية على ما عجزت اللغة عن قوله. لوحات زلفين كوخ الحارسة في معسكر مايدانيك التي رسمها الناجي يوزيف سزاجا لا تنقل مشهداً فقط، بل تصرخ في وجه النسيان: “كنتُ هنا، وقد رأيتُ.”

يُعيد الفن للضحايا ملامحهم بعد أن حاولت الإحصاءات اختزالهم في أرقام. فالبورتريه الذي يرسم وجه امرأة مفقودة أو طفل مقتول يذكّر العالم بأن وراء كل رقم إنساناً له اسم وأحلام صغيرة لم تكتمل. وحين يصبح العمل الفني نصباً تذكارياً، كما في بيت الناجين في أوشفيتز أو نصب محارق الغجر في برلين، يتحوّل إلى ضوءٍ دائم في الذاكرة الجماعية، يذكّر المارّة بأن تحت هذا الصمت تاريخاً لا يجوز نسيانه.

خلال الهولوكوست، شكّل الفن وسيلةً فعّالة للتوثيق والتعبير. استخدم الفنانون مهاراتهم لتصوير وحشية المعسكرات، غالبًا بموارد محدودة. تُقدّم هذه الأعمال شهاداتٍ حقيقية ومؤثرة على الفظائع المرتكبة هناك. يضم متحف الدولة في مايدانيك مجموعةً من هذه الأعمال الفنية.

ثانياً: الفنّ بوصفه عدالةً واعترافاً

العدالة ليست حكراً على القوانين والمحاكم، بل تبدأ حين يجرؤ العالم على النظر في عيون ضحاياه. في محاكمات نورمبرغ، استُخدمت اللوحات والرسوم كأدلة على الفظائع، كأنما الألوان نفسها صعدت إلى منصة الشهود. الفن أيضاً مساحة للمساءلة الرمزية: منحوتة تُظهر طاغيةً متصدعاً أو لوحة تسخر من ملامح قاتلٍ مألوف – كلاهما يسحب من الجلادين رداء القداسة ويعيدهم إلى مقام المجرمين.

وفي تجارب جنوب إفريقيا ورواندا، كان الفنّ لغةً للبوح والمصالحة، حين عجزت الكلمات عن حمل الوجع. على الجدران والقصائد واللوحات، تحدث الضحايا عن أنفسهم من جديد، لا كأرقام، بل كأرواحٍ تبحث عن سلامها.

ثالثاً: الفنّ من الذاكرة إلى الوعي

الفن لا يكتفي بأن يروي الماضي، بل يصنع درعاً للمستقبل. إنه يربّي الحسّ الإنساني في مواجهة الوحش الكامن فينا جميعاً. فزيارة متحف عن الإبادة، أو الوقوف أمام لوحة تصرخ بالألم، قد تغيّر وعياً كاملاً وتزرع في القلب مناعةً ضد الكراهية.

الإبادة تبدأ دائماً بالكلمة التي تنزع عن الآخر إنسانيته. والفن، حين يرسم الإنسان كإنسان، يهدم تلك الجدران الخفية، ويعيد للتعاطف مكانه الأول في القلب. من خلال رؤية معاناة الآخرين، يعبر المشاهد الجسور التي تفصل العرق عن العرق، والثقافة عن الثقافة، فيتوحّد الألم الإنساني في لحن واحد.

رابعاً: تجارب تنبض بالذاكرة

في معسكرات الهولوكوست، حمل فنانون مثل فيليكس نوسباوم وديفيد أولير ريشاتهم كما تُحمل الشموع في الظلام، فأنقذوا لحظاتٍ من المحو الأبدي. أما بيكاسو، فصرخ بلوحته “غورنيكا” في وجه الحرب، فغدت رمزاً عالمياً ضد العنف الجماعي. في البوسنة، صنع الفنانون من بقايا الحرب – الخوذات والأحذية والرصاص – منحوتاتٍ تحولت إلى مراثٍ للذاكرة.

وفي رواندا، رسم الفنانون بالأرض الحمراء والملابس الممزقة من مواقع المذابح، ليحوّلوا رماد المأساة إلى مادةٍ للشفاء. وفي الأرجنتين وتشيلي، صارت الملصقات والأعمال الفنية سلاح الأمهات والناجين في وجه الصمت والإنكار، كما في أعمال ألفريدو جار التي جعلت الفن مرآة للجرح الجمعي.

خامساً: الأخلاق في مواجهة الجمال

يتطلب الفن الذي يتناول الإبادة حساسيةً دقيقة. فبين التوثيق والاستغلال خيطٌ رفيع: كيف نُظهر الرعب دون أن نُعيد إنتاجه؟ كيف نحكي الألم دون أن نؤذي من عاشه؟
كما أن الخطر الأكبر يكمن في الإنكار، حين يُقتطع العمل الفني من سياقه أو يُستخدم لتزييف الحقيقة. لذلك، تبقى مسؤولية الفنان والمجتمع معاً أن يصونوا الذاكرة من التلاعب والتسليع.

الخاتمة: ذاكرة الألوان في وجه العدم

الفن التشكيلي، في سياق الإبادة الجماعية، ليس ترفاً أمام المأساة، بل ضرورة إنسانية. إنه مقاومة ضد النسيان، واعترافٌ بعدالة الضحايا، وجدارٌ ثقافي يمنع تكرار الجريمة. من خلاله، يتعلّم الإنسان أن ينظر إلى الآخر لا كعدوٍّ محتمل، بل كصورةٍ أخرى من ذاته.

في نهاية المطاف، يذكّرنا الفن بأن ما يُرسم لا يموت. فكل لونٍ وُضع على قماشٍ يحمل وعداً خفياً: أن نتذكّر… لكيلا يتكرّر.

وهنا نستحضر تجربتين لفنّانين تشكيليين، جسّد أحدهما مأساة الأنفال بعمقها الإنساني، فيما جعل الآخر من الإبادة الجماعية ضد الإيزيديين صرخة فنية ضد النسيان

التجربة الاولى :الفنان أشتي كرمياني: ذاكرة الألم الكوردي في لوحات تتنفس الحياة

يُعدّ الفنان التشكيلي الكوردي أشتي كرمياني، المقيم في المنفى بهولندا، أحد أبرز الأصوات الفنية التي استخدمت الريشة واللون لتوثيق معاناة ضحايا الإبادة الجماعية خلال حملات الأنفال، والمآسي التي خلّفتها مجزرة حلبجة الكيميائية. عبر أعماله، يُحوّل كرمياني الذاكرة الجماعية إلى أداة مفعمة بالإنسانية، تُخلّد الألم وتواجه طغيان النسيان بجمال مؤلم وسرد بصري عميق.

فن كرمياني: قراءة في المأساة الإنسانية

من خلال أعماله، يستند كرمياني إلى أساليب تعبيرية متنوّعة تترجم صراعه مع الذاكرة والوجع:

• الوجوه والعيون المعبّرة: تحتلّ العيون مساحة مركزية في لوحاته؛ نظراتها العميقة تفيض بالصمت الصارخ، حاملةً شهادات مرئية عن الجريمة والألم.
• الرموز القوية: تتكرّر رموز مثل الفراشات، التي تشير إلى أرواح الضحايا البريئة، أو إلى الأمل الذي يزهر وسط الخراب. يمزج بين الألوان الترابية الداكنة والدرجات المشرقة ليعبّر عن تداخل الموت والحياة في مشهد واحد.
• تشويه الواقع كأداة فنية: الأشكال المشوّهة والضبابية في بعض لوحاته تعكس ما دمّرته الحرب والأسلحة الكيميائية من جسد وذاكرة.
• الفن كتوثيق متجدّد: يحوّل كرمياني الصور الأرشيفية إلى أعمال فنية خالدة، تتجاوز حدود التوثيق البصري لتغوص في عمق التجربة الإنسانية.

بين التأثير العاطفي والتوثيق الجاد

يثير فن كرمياني جدلية العلاقة بين استحضار العاطفة والتوثيق الموضوعي؛ فرغم الصدى العميق الذي تخلقه أعماله في النفوس، إلا أنه لا يسعى لاستدرار المشاعر بسطحية أو تحريف واقع الأحداث. بل يأتي استدعاء المشاعر طبيعياً كنتيجة لعرض حقائق موثقة، مما يخلق مواجهة مباشرة مع الألم والحقيقة لا يمكن الهروب منها.

في ثمانينيات القرن الماضي، أقام الفنان معارض فنية فردية وجماعية في مدن مثل بغداد وأربيل وكركوك والسليمانية. كانت هذه المعارض تجسّد معاناة الشعب الكوردي دون أن تُصرّح بذلك علنًا، نتيجة القمع البعثي الذي كان يمنع أي نشاط يكشف جرائمه.
ومن بين تلك المعارض، حاز معرضه الشهير “الأشجار المحروقة” (1989) على ترحيب واسع، إذ عبّر فيه عن الإبادة البيئية في كوردستان عبر لوحاتٍ مؤثرة جذبت الزوار وأحدثت ارتباطًا وجدانيًا عميقًا بمعاناة الكورد الذين ذاقوا ويلات الأسلحة الكيميائية في حلبجة.

من خلال أعماله الفنية والنحتية التي عرضها في حلب ودمشق وعدة مدن أوروبية، ركّز الفنان على إبراز مأساة ضحايا الإبادة الجماعية. وبحكم أنه وُلد في جغرافيا مثقلة بالكوارث، انعكست تلك الأحداث بصورة عميقة على نفسيته وإنتاجه الفني، مما جعل العديد من الباحثين يدرسون منجزه بوصفه توثيقاً بصرياً لتاريخ مأساوي طويل.

الفن كأداة للتذكّر والمقاومة

لا يتعامل كرمياني مع الفن بوصفه شكلاً جمالياً فحسب، بل كفعل مقاومة حيّة في وجه النسيان. فأعماله:

• توثّق الألم البشري في صياغة بصرية تُشبه النصب التذكارية الدائمة.
• تُواجه الإنكار بتحويل القصص المأساوية إلى حقائق قائمة لا يمكن تجاهلها.
• تُعيد للضحايا إنسانيتهم من خلال إبراز حياتهم وأحلامهم، لا أرقامهم.

جذور فنية في تربة المعاناة

نشأ كرمياني في طفولة امتزجت فيها روعة الطبيعة الكوردستانية بجمال الأقمشة المزخرفة التي كانت عائلته بارعة في تصميمها. هذا المزيج ولّد لديه شغفاً بالألوان جعله يوظّفها لتصوير الحياة اليومية ومشاهد الجبال والقرى التي حملت عبق الهوية الكردية.
في مراحل مبكرة من مسيرته، حمل كرمياني فنه كرسالة تحاكي الإنسان والذاكرة، مقدّماً لوحات تعبّر عن المأساة الكوردية دون أن تفقد بعدها الجمالي أو رمزية الأمل الكامن بين طبقات الألم.

الذاكرة في مواجهة الإبادة

يُعدّ كرمياني من أبرز الفنانين الذين حوّلوا الإبادة الجماعية الكوردية إلى مادة فنية توثيقية وإنسانية. تتناول أعماله مشاهد القصف الكيماوي والقرى المدمّرة والوجوه التي اختنقت في صمت. يعتمد الفنان على الألوان المائية الرمادية والتخطيط بالقلم، ما يمنح لوحاته طابعاً تعبيرياً صارخاً ومجرّداً من التفاصيل المريحة. وقد حاز أسلوبه تقديراً من النقاد، وهو اليوم يستعد لعرض أحد أعماله الجديدة في مدينة جوهانسبرغ بجنوب إفريقيا، ضمن سلسلة من المعارض التي تواصل رسالته إلى الجمهور العالمي.

شاهد على التاريخ وضمير للأجيال

عندما يتحدث الفنان أشتي كرمياني عن مسيرته الفنية، يؤكد أن رسالته الأساسية هي نقل حقيقة الجرائم التي ارتُكبت بحق شعبه إلى المجتمع الدولي. ومن خلال فنه، استطاع تسليط الضوء على مأساة حلبجة وعمليات الأنفال على المستوى العالمي، مما جعل القضية الكوردية أكثر قرباً وتعاطفاً من قبل الرأي العام الدولي.

يمتلك الفنان أرشيفاً ضخماً يضم أكثر من 400 لوحة توثّق الإبادة الجماعية التي تعرّض لها الشعب الكوردي، بما في ذلك الجرائم التي ارتكبها تنظيم داعش ضد الإيزيديين في سنجار.وقد عُرضت أعماله في مؤتمرات دولية ومتاحف متخصصة بالإبادات الجماعية، لتكون شاهدة على التاريخ ومرجعاً للأجيال القادمة.

يُشير كرمياني إلى أنه استلهم من تجارب الفنانين العالميين الذين سعوا لإنصاف ضحايا الإبادات الجماعية في مناطق مختلفة من العالم، مؤمناً بأن الفن لغة تتجاوز الحدود السياسية واللغوية. ويؤكد أن الإبادة ضد شعب كوردستان لم تتوقف بعد، مشيراً إلى استمرار هذا النمط من الجرائم كما تجلّى في اعتداءات داعش على الإيزيديين في سنجار، رابطاً هذه الحوادث بسلسلة طويلة من الجرائم التي بدأت بالقصف الكيماوي على حلبجة وباليسان، وعمليات الإبادة في كرميان ومنطقة بارزان، إضافة إلى التعذيب الممنهج في مواقع مثل توب زاوه وكركوك.

يقول الفنان إنه كان شاهداً على بعض تلك الفظائع، التي شكّلت مضموناً رئيسياً لأعماله الفنية وساهمت في بلورة رؤيته الإنسانية العميقة.

الفن كذاكرة إنسانية عابرة للحدود

في المحصلة، يُجسّد أشتي كرمياني صوت الذاكرة الكوردية في صياغة فنية تجمع بين الصدق الإنساني والوعي التاريخي. فهو لا يرسم الموت فحسب، بل يمنح الضحايا حياة ثانية على القماش، ويجعل من اللون سلاحاً وجدانياً وأخلاقياً في وجه محاولات طمس الحقيقة. إنه فنان يقف في صفّ الإنسان، حيث تتحوّل لوحاته إلى صرخة ضد النسيان، وإلى وعدٍ بأن الجمال قادر على مقاومة الألم.

التجربة الثانية: الفنان قاسم الشرقي يحوّل آثار المأساة الإيزيدية إلى ذاكرة فنية تنبض بالحياة.

أحذية متروكة، وحكايات باقية

في المعرض الفني “أحذية متروكة، وحكايات باقية” الذي اقيم في المانيا في شهر سبتمبر 2025، يقدم الفنان قاسم الشرقي تجربة استثنائية تتجاوز مفهوم العرض التشكيلي إلى فضاء إنساني مفتوح على الذاكرة والوجدان. المشروع، الذي يُعرف أيضاً بعنوانه الرمزي “أحذية على الجبل”، لا يستعرض قطعاً فنية فحسب، بل يروي تاريخاً موجعاً لمجتمع حاول العالم أن يصمت عن آلامه.

من منحدرات جبل سنجار، المكان الذي شهد واحدة من أبشع المآسي الإنسانية بتاريخ 3 آب/أغسطس 2014، حينما تعرض المجتمع الإيزيدي للإبادة الجماعية على أيدي تنظيم داعش الإرهابي، تنبثق صور حزينة ومؤثرة تحمل في طياتها قصصاً من الألم والصمود. في هذا المكان، حيث اختلطت الأرض بدموع الناجين وصراخ المفقودين، وجد الشرقي أحذية متناثرة مهجورة، تركها أصحابها وراءهم في لحظات الهروب والنجاة من الموت.

بحذر وحنوّ بالغين، بدأ الشرقي بجمع هذه الأحذية، وكأنها قطع من الأرواح التي رحلت أو فُقدت. لم تكن مجرد أشياء مهملة، بل تحولت بين يديه إلى شهادات فنية ناطقة، تحمل بين طياتها قصصاً عن الذين اختفوا أو نزحوا أو قاوموا. كل حذاء كان يحمل بصمة صاحبه، يروي عن حياته، عن خطواته التي توقفت فجأة وعن أحلامه التي سُرقت.

كل حذاء في هذا المعرض هو وثيقة إنسانية تختزل رحلة حياة كاملة: حذاء لطفل ركض به في لحظة فزع، أو لامرأة سارت به لأميال طلباً للنجاة، أو لرجل توقّف به عند آخر خطوة في طريق الهروب. هذه القطع المتروكة ليست مجرد رموز للفقد، بل رسائل بصرية تحمل صوتاً غائباً وتُعيد إليه حقّه في الحضور.

في هذا العمل الفني المليء بالرمزية، استطاع الشرقي أن يحول الألم إلى رسالة إنسانية قوية، تذكر العالم بمأساة الإيزيديين وتدعو إلى التكاتف من أجل العدالة والإنصاف. الأحذية التي كانت شاهدة صامتة على لحظات الرعب أصبحت الآن صوتاً قوياً يروي حكايات أصحابها ويخلّد ذكراهم في ذاكرة الإنسانية.

الفن بوصفه توثيقاً وفعلاً للمقاومة

يقدم الشرقي مشروعه كنوع من الفن التوثيقي المقاوم، الذي يتجاوز الجماليات ليغدو أداة لاستعادة الذاكرة الجماعية. من خلال الشهادات المسموعة، يمكن للزائر أن يستمع إلى أصوات الناجين أنفسهم يروون الحكاية التي يحملها كل حذاء. فيما تُعرض مشاهد بصرية ولقطات أرشيفية تربط القطع بالوجوه والأمكنة الأصلية، في علاقة إنسانية تتجاوز حدود الصمت والجمود.

هذه التجربة لا تُعيد إنتاج المأساة فحسب، بل تسعى إلى معالجتها فنياً، وإلى تحويل الألم إلى خطاب بصري وإنساني يخاطب العالم بلغته المشتركة. هنا، يصبح الفن فعلاً من أفعال المقاومة ضد النسيان، ومساحة لاستعادة كرامة من سُلبت منهم أصواتهم.

صرخة من أجل الذاكرة والأمل

في كل زاوية من زوايا المعرض، تهمس الأحذية برسالة واحدة: الذاكرة لا تموت.
إنها دعوة إلى تأمل ما جرى، لا من باب الحزن وحده، بل من باب الوعي والتضامن الإنساني. فالمعرض لا يسعى إلى استدرار العاطفة، بل إلى إحياء الضمير الجمعي عبر تذكيرنا بأن الفقد لا يُمحى، وأن العدالة تبدأ من تذكّر التفاصيل الصغيرة التي تركها أصحابها على الجبل.

بهذا المعنى، يُشكّل «أحذية متروكة، وحكايات باقية» صرخة ضد النسيان، ونقطة التقاء بين الفن والتاريخ والإنسان. إنه يطرح سؤالاً عميقاً: هل يمكن للفن أن يُعيد للضحايا حقهم في أن يُرووا من جديد؟

جسر بين الألم والأمل

يقدّم الفنان قاسم الشرقي في هذا المشروع نموذجاً للفن الذي يكتب التاريخ بلغة الأمل. فهو لا يكتفي بتسجيل المأساة، بل يعيد قراءتها برؤية جمالية وإنسانية تُؤكّد أن الفن قادر على أن يكون سلاحاً للعدالة وجسراً للتعاطف.

في النهاية، لا تبقى الأحذية المتروكة مجرد آثار من الماضي، بل تتحوّل إلى رموزٍ حيّة للحياة والكرامة. ومن بين الركام، تنهض الحكايات الباقية لتذكّرنا بأن الإنسان، مهما تعرّض للألم، يظل قادراً على أن ينهض بالفن، وأن يحوّل وجعه إلى ذاكرة مضيئة للأجيال القادمة.

قد يعجبك ايضا