ملا شاخوان
في صيف عام 2014، دخلت محافظة نينوى واحدة من أحلك الفترات في تاريخها الحديث. سقطت الموصل، ثانية كبرى المدن العراقية، بيد تنظيم داعش الإرهابي في غضون ساعات. انهارت المؤسسات الأمنية، وتشتت الجيش، وبات أكثر من ثلاثة ملايين مواطن تحت رحمة تنظيم لا يعرف الرحمة.
في تلك اللحظات الحرجة، برز دور الحزب الديمقراطي الكوردستاني كحائط صد أول ضد المد الإرهابي. لم يكن الأمر متعلقاً بحسابات سياسية ضيقة أو مصالح إقليمية، بل بمنظومة قيم عميقة تؤمن بأن الدفاع عن الإنسان واجب أخلاقي يتجاوز الحدود القومية والدينية.
تحركت قوات بيشمركة البارتي بقيادة الرئيس مسعود بارزاني نحو الخطوط الأمامية، وتمكنوا من تأمين مساحات شاسعة من المحافظة. في سهل نينوى، موطن التنوع الديني والإثني، أنقذ البيشمركة عشرات القرى المسيحية والإيزيدية من مصير مأساوي محتوم.
وفي منطقة مخمور، التي تقع على بعد نحو 60 كيلومتراً جنوب غرب أربيل، خاض بيشمركة كوردستان معارك ضارية استمرت لأشهر. قدموا فيها العديد من الشهداء، لكن إصرارهم على حماية المدنيين، بغض النظر عن انتماءاتهم، لم يتزعزع.
تشير الإحصاءات إلى أن أكثر من 1800 بيشمركة استشهدوا في المعارك ضد داعش، وأصيب أكثر من 10 آلاف آخرين. هذه الأرقام ليست مجرد بيانات إحصائية، بل تمثل أُسَراً فقدت أبناءها، وأطفالاً فقدوا آباءهم، في سبيل قضية إنسانية نبيلة.
لفهم هذا الموقف، يجب العودة إلى الجذور الفكرية للحزب الديمقراطي الكوردستاني. فمنذ تأسيسه سنة 1946 على يد الزعيم الخالد مصطفى البارزاني، تبنى الحزب فلسفة سياسية تقوم على احترام التنوع والإيمان بأن قوة أي مجتمع تكمن في قدرته على احتضان مكوناته المتنوعة.
هذه الفلسفة لم تكن نظرية مجردة، بل ترجمت عملياً في ثورة أيلول المجيدة (1961-1975) التي شهدت مشاركة واسعة من المسيحيين والإيزيديين والتركمان إلى جانب الكورد. كان البارزاني الخالد يؤكد دائماً أن “النضال من أجل الحرية لا يعرف الحدود القومية أو الدينية”.
بعد دحر داعش عسكرياً، برزت تحديات جديدة لا تقل خطورة. فالتحرير العسكري ليس كافياً لبناء السلام المستدام. هنا يطرح الحزب الديمقراطي الكوردستاني رؤية شاملة تقوم على عدة محاور: الشراكة السياسية الحقيقية، والتنمية الاقتصادية الشاملة، والمصالحة المجتمعية.
وفي ظل المنافسة السياسية المحتدمة، يحق للناخبين أن يسألوا: لماذا نمنح أصواتنا للحزب الديمقراطي الكوردستاني؟
الجواب يكمن في عدة حقائق، أولاها سجله الحافل بالتضحيات الحقيقية. ثم تأتي التجربة الإدارية الناجحة في إقليم كوردستان، حيث يعيش الكورد والعرب والتركمان والمسيحيون في استقرار رغم كل التحديات، والحقيقة الثالثة تمثلها رؤية البارتي السياسية الواضحة القائمة على الشراكة والتوازن، لا على الهيمنة والإقصاء واتخاذ القرارات السیاسیة المهمە بالتوافق.