المرشح الحقيقي لا يتعالى أبدًا

د. ابراهيم احمد سمو

الانتخابات أيام وليالٍ لها نكهتها الخاصة، يختلط فيها الجدُّ بالهزل، والتعبُ بالأمل، والواقعيةُ بالأحلام.
ومن يتأمّل المشهد الانتخابي يلحظ أن قائمة الديمقراطي تسير بثباتٍ لا يتزحزح، في حين أن المرشحين بين صعودٍ وهبوطٍ لا يهدأ. وهذا أمرٌ طبيعي في أيام الدعاية الانتخابية التي امتدّت طويلًا حتى غدت مملّة، وكأن الزمن عندنا قصير، بينما عند المرشحين لا نهاية له. بل إن بعضهم يتمنى الغد قبل انقضاء الأيام المتبقية.

في هذه الأجواء المشحونة، ترى من يضبط أنفاسه ويتعامل بحكمةٍ واتزانٍ، بينما يفقد آخرون السيطرة على أعصابهم في لحظات الغرور والانفعال.
ولعل أغرب ما في الأمر أن أغلب المرشحين أصبحوا يمتلكون أكثر من هاتف، بل صار لكل واحدٍ منهم مدير مكتب وسكرتير وطاقم مرافق، وكأنهم وزراء قبل أن يُنتخبوا!
وهنا يبرز السؤال: هل الانتخابات مقعد خدمةٍ أم منصةُ وجاهة؟

وما يثير الاستغراب أكثر أن بعض المرشحين يُعاملون الناس بتكبّرٍ واضحٍ، فيُهمِلون الاتصالات، ويتجاهلون الرسائل، ولا يردّون حتى على مكالمةٍ من صحفي أو مثقف أو إنسانٍ بسيط.
إنها عجرفة انتخابية تسبق النتائج، وكأن الكرسي قد حُسم لصالحهم قبل أن تُفتح صناديق الاقتراع.
وقد قال لي أحدهم ذات مرة مبرّرًا تصرفاته:

“الناس تكلّفنا بما لا نطيق، تطلب المساعدة في أمورٍ بسيطة أو لا معنى لها.”

لكن، مهما كانت المبررات، فإن المرشح الحقيقي لا يحقّ له أن يتعالى على الناس، بل عليه أن يتعامل معهم بأدبٍ ورقيٍّ، حتى لو كان الردّ بكلمةٍ قصيرةٍ تُغني عن إساءة الصمت.

الانتخابات كما أراها ليالٍ متكرّرة بأقنعةٍ مختلفة.
فكل ليلةٍ تكشف وجهًا جديدًا من وجوه المرشحين:
منهم من بدأت عليه ملامح التعب والإرهاق، ومنهم من لا يزال يتعامل مع الأمر كمزحةٍ ثقيلةٍ أو نزهةٍ انتخابية، ومنهم من يحتفظ بروحه العالية ومعنوياته الثابتة رغم كل العوائق.
وهذا الأخير، في نظري، هو الفائز الحقيقي سواء نال المقعد أم لم ينله، لأنه أدرك أن الكرامة والصدق أثمن من كل شيء.

وفي المقابل، هناك فئة تعرف تمامًا أن حظوظها ضعيفة، وأنها في موقعٍ لا يتجاوز “نقطتين بعد الصفر”، ومع ذلك تراها تتحدث بغرورٍ وثقةٍ زائفة، وكأنها ضمنت الفوز بأغلبيةٍ ساحقة!
وهذا الوهم لا يولد إلا من تضخّم الأنا وجهلٍ بطبيعة الناس وموازين الانتخابات.

ما أجمل أن يخوض الإنسان الانتخابات بروح الخدمة لا الشهرة، وبعقلٍ يتّسع للنقد لا يرفضه.
لكن ما نراه اليوم أن كثيرًا من المرشحين يعيشون في فقاعةٍ من المديح المصطنع والمظاهر الكاذبة، حتى إذا جاءت النتائج، كانت الصدمة قاسيةً ومؤلمة.

إن الانتخابات ليست ساحةً للمنافسة فحسب، بل مرآةٌ تكشف معادن الرجال والنساء؛
تُظهر الصبور من المتعجّل، والجادّ من المتصنّع، والمتواضع من المتعالي.
وفي خضمّ هذه التجربة، يتبيّن أن أكثر ما يُنهك المرشحين ليس الدعاية ولا الجولات ولا الاجتماعات، بل كبرياؤهم الذي يجعلهم يظنون أن الكلمة الطيبة ضعف، وأن التواضع نقص.

أما الحقيقة فهي عكس ذلك تمامًا.
فكل من يتعامل مع الناس بصدقٍ واحترامٍ، ولديه السعي الصادق ومحبة الناس، فقد نجح بالفعل، ويبقى في قلوبهم ويفوز بصندوقهم.
أما من يستهين بهم، فإنه يخسرهم، وإن نال المنصب مؤقتًا.

في النهاية، تبقى الانتخابات ليلةً طويلةً من دروسٍ في النفس البشرية، فيها الفرح والتعب، الكبرياء والانكسار، الأمل والخيبة.
وما يبقى بعد انطفاء الأضواء ليس عدد الأصوات، بل السمعة والسلوك والنية التي رآها الناس في لحظة الصدق.
فهنيئًا لمن خرج من هذه الليالي محتفظًا بابتسامته وتوازنه وإنسانيته،
فهو المنتصر الحقيقي، ولو لم يُعلَن فوزه رسميًا

قد يعجبك ايضا