هه لكورد صالح علي
في عمق الذاكرة الجَمْعِية للأمم يتجسد الفلكلور كصرخة وجود تتحدى النسيان، إنه ليس مجرد ترف ثقافي أو تراكم موروث شعبي، لما يُروى ويُغنى؛ بل هو الوعي الباطن للأمة، اللغة التي تتكلم بها الأرواح حين يعجز اللسان السياسي عن التعبير، الفلكلور الكردي على وجه الخصوص، هو تجسيد حي لصراع طويل من أجل البقاء، مقاومة ناعمة اتخذت شكل الحكاية والموسيقى والرقص؛ لتحفظ هوية شعبٍ عابرٍ للحدود.
لقد تطور الفلكلور الكردي من شظايا الألم والجمال، من حكايات الرعاة في الجبال، من أناشيد النساء اللواتي نسجن الذاكرة بخيوط الحنين والتطلعات والآمال، ومع كل مرحلة عاشها الكرد – من الاستقلالات الناقصة إلى القمع الثقافي – تحوَّل الفلكلور إلى وعاء يحمل مزيجًا من المقدس والدنيوي، البطولي واليومي، الأسطوري والواقعي، إنه سجل روحي لا تكتبه الدولة، بل يكتبه الشعب عبر قرونه الطويلة من النضال والتجدد.
ويُعتبر الفلكلور أحد أبرز مكونات الثقافة الوطنية لأي بلد كانت، فهو كنزٌ من الذاكرة الثقافية والهوية الشعبية التي تعكس تاريخ الشعوب وتقاليدها، ويشكل جزءًا أساسيًا من هُويتها، أما في كُردستان فيعد الفلكلور عنصرًا ثقافيًا غنيًا ومتنوعًا؛ حيث يعكس التنوع الإثني والجغرافي في البلاد؛ من خلال الموسيقى، الرقصات، القصص الشعبية، والحرف التقليدية، واستطاع الفلكلور الكُردي أن يحافظ على خصوصيته ويعزز الانتماء الوطني بين مختلف فئات المجتمع.
الفلكلور الكُردي: (جذور أسطورية تتميز كُردستان بتنوع عرقي وثقافي يعكس تداخل الثقافات السورية والعراقية وغيرها …. من خلال هذا التنوع، تنبثق أشكال فنية وفُلكلورية تُمثل جُزءًا لا يتجزأ من الهُوية الوطنية. فعلى سبيل المثال، نجد أن الموسيقى الكُردية تشمل أنواعًا متعددة؛ والتي تمزج بين الإيقاعات الصحراوية والتقاليد الكُردية القديمة.
ففي أزمنة ما قبل التدوين تكوَّن الفلكلور الكردي من خلال الأساطير الشفوية، التي فسرت للإنسان الكردي معنى الوجود، القوى الطبيعية، والحياة بعد الموت، وظهرت رموز تمثل الحكمة الأنثوية ورموز تمثل الثورة الشعبية؛ فكان الفلكلور آنذاك مرآة للمجتمع الجبلي الصامد، الذي يعشق الطبيعة ويهابها ويقدسها، فنشأت الطقوس والمعتقدات المرتبطة بالمطر، والشمس، والخصوبة، والنماء.
أما في مجال الأدب الشفهي، فالحكايات الشعبية والأمثال الكُردية تروي قصصًا تعكس القيم الاجتماعية مثل الشجاعة، الكرم، والتضحية. وتعتبر هذه الحكايات جزءًا أساسيًا من التربية والتعليم في المجتمع الكُردي؛ حيث تُسهم في نقل المعرفة من جيل إلى جيل، مما يعزز الارتباط بالجذور الثقافية.
ويكتسب الفلكلور الكردي أهمية استثنائية لكونه وسيلةً للحفاظ على اللغة الكردية، خاصة في ظل الظروف السياسية والتاريخية التي عاشها الكرد، والتي كثيرًا ما حالت دون توثيق تراثهم مكتوبًا؛ فمن خلال الفلكلور، نلمس الروح الكردية في أبهى صورها؛ حيث يتجلى الإبداع الشعبي في كل أغنيةٍ، ومثلٍ، وقصةٍ، ورقصةٍ.
الحكايات والأساطير الشعبية الفلكلورية: تمثل الحكايات والأساطير أحد أقدم أشكال الفلكلور الكردي، وتُعد مصدرًا غنيًا لفهم المعتقدات والمفاهيم الأخلاقية والاجتماعية للشعب الكردي. من أشهر القصص الكردية، قصة “كاوه الحداد” الذي ثار على الطاغية “ضحّاك” وأشعل شعلة الحرية، والتي تحولت لاحقاً إلى رمز قومي يُحتفل به في عيد النوروز. وتوجد أيضاً حكايات عن الجن والعفاريت والمخلوقات الخارقة، التي تعكس تصور الإنسان الكردي لعالم ما وراء الطبيعة.
الأغاني والموسيقى الكردية:
الأغنية الكردية هي مرآة تعكس معاناة وآمال وتطلعات الشعب الكردي، وتتنوع الأغاني بين
تلك الحزينة التي تعبر عن الفقد والشتات، وتلك التي تُغنى في الأعراس والمناسبات السعيدة. كما تنقسم الموسيقى الكردية إلى أنماط متعددة بحسب المنطقة، مثل موسيقى منطقة هاكورك، وألحان منطقة السليمانية، ونغمات دهوك وجبال زاغروس، بالإضافة إلى الآلات الموسيقية الكردية التقليدية مثل البزق، والدُفّ، والزورنا والتي تضفي طابعاً خاصاً على هذه الأغاني.
الرقصات والأزياء التقليدية: الرقصات الكردية الجماعية، مثل رقصة الدبكة (أو الـ “هالاي”)، تُؤدى في المناسبات الاجتماعية وتعبر عن التلاحم الجماعي والفرح الجماعي. وتتميز هذه الرقصات بخطوات منتظمة وإيقاع قوي، وغالباً ما تُؤدى على أنغام الطبول والزورنا.
أما الأزياء الكردية التقليدية، فتعكس جماليات خاصة، حيث ترتدي النساء فساتين طويلة مطرزة، في حين يرتدي الرجال السروال الواسع والقمصان ذات الأحزمة العريضة، مما يعكس الخصوصية الثقافية لكل منطقة كردية.
الأمثال والألغاز والأقوال الشعبية تلعب الأمثال والأقوال الشعبية دوراً كبيراً في تشكيل الحكمة الشعبية الكردية، فهي تختزل تجارب الأجيال وتعكس قيم الكرم، والشجاعة، والحب، والعدل، والعمل الجماعي. ومن الأمثال الكردية المعروفة: “الجار قبل الدار”، و”الكلمة الطيبة تفتح الأبواب المغلقة”. كما تُستخدم الألغاز في المجالس الشعبية كوسيلة للتسلية والتعليم والتفكير.
الفلكلور الكردي في الشعر والملاحم
يُعد الشعر الشعبي الكردي من أهم روافد الفلكلور، وقد لعب دوراً مركزياً في مقاومة النسيان والاندثار. ومن أبرز الشعراء الشعبيين الكرد ملا جزيري، وأحمد خاني الذي ألّف ملحمة “مم وزين”، وهي قصة حب مأساوية تجسّد الصراع بين العشق والقدر والقيود الاجتماعية. تمثل هذه الملاحم تعبيراً عن قيم الشجاعة، والوفاء، والتضحية.
الطقوس والعادات المرتبطة بالمناسبات
تتنوع الطقوس والعادات الكردية المرتبطة بالمناسبات الدينية والاجتماعية، ومنها طقوس الزواج، والولادة، والختان، والوفاة، والحصاد. وتُعد مناسبة عيد النوروز، الذي يصادف 21 آذار (مارس) من كل عام، من أهم الأعياد التي تحتفل بها العائلات الكردية، حيث تُشعل النيران للإضاءة والشواء وتُؤدى الرقصات وتُغنى الأغاني احتفاءً بتجدد الحياة.
الحرف اليدوية والفنون البصرية:
تُعد الحرف اليدوية مثل النسيج (خصوصاً السجاد الكردي)، والتطريز، وصناعة الأدوات الخشبية، جزءاً مهماً من الفلكلور الكردي، وتعكس هذه الفنون مهارة المرأة الكردية وذوقها الفني، كما تبرز الرموز والزخارف المستخدمة في هذه الأعمال دلالات ثقافية وروحية عميقة.