بمناسبة يوم المدير

أمل مطلق الحربي

الأثر البشري للقيادة: دروس من الأستاذة وضحى السلطان
في رواية «الحارس في حقل الشوفان» لج. د. سالينجر، يواجه البطل كُلاد هولدن شخصيات سلطوية في مدرسته، مديرين يتحكمون بالخوف والقواعد الصارمة، فتتبدد روح الإبداع، ويشعر الطلاب بالعجز أمام القرارات المفاجئة.
هذا الموقف يعكس بصدق كيف يمكن للسلطة أن تهشم الروح البشرية حتى قبل أن تُحسّن أي نظام أو مؤسسة.
منذ أن بدأت عملي في الميدان التربوي، عاهدت قلمي أمام نفسي ألا أكتب عن أي شخصية ترتبط بعملي قد تُفهم الإشارة إليها مجاملةً أو تملقًا أو تصفية حساب.
لا أكتب إلا حين تنتهي الصلة الوظيفية، حين يصبح الحديث حرًا لا يُساء تأويله، وحين تكون الكتابة شهادة صادقة لا بطاقة ولاء.
واليوم، أكتب عن الأستاذة وضحى السلطان بعد أن غادرت موقعها القيادي، احترامًا للمسافة التي تليق بالحقيقة.
منذ أن كنت معلمة، وأنا أبحث عن معنى «المدير».
رأيت من يحمل اللقب ويملأ حضوره المكان، لكن الفراغ كان في الأثر.
من يُصدر القرارات في كل لحظة، لكن لا يُصغي.
من يحضر بالصوت، ويغيب بالوعي. ومن يحوّل المهنة إلى حالة طوارئ دائمة، والتواصل إلى إنذار لا إلى دعم.
كنت أتساءل دائمًا: كيف يُمنح المنصب لمن لا يملك أدواته النفسية؟ وكيف نُربّي أجيالًا تحت قيادة من يلوّح بالخوف أكثر مما يفتح أبواب الثقة؟
ثم التقيت نموذجًا مختلفًا تمامًا: الأستاذة وضحى السلطان.
كانت أمًّا قبل أن تكون مديرة. كانت تسمَع قبل أن تتكلم. تمنح الأمان لا الاتهام. تصنع الولاء من الإحسان لا من الهيبة المفروضة. لم تكن تُدير بالمراسلات والإنذارات، بل بالاحتواء.
كنت أشاهد كيف تتحول المشكلات في مكتبها إلى فرص تعلم، وكيف تُعيد صياغة الخطأ دون كسر صاحبه، وكيف تُضيء الفريق بشعور القيمة لا بشعور الخوف.
وعندما ترحل مثل هذه القامات — ندرك أن القيادة ليست منصبًا، بل أثرًا.
وأن بعض المديرين يرحلون جسدًا ويبقون روحًا، وآخرين يغادرون المناصب ولا يُفتقد لهم حتى للحظة.
في المقابل، هناك نماذج لا تُنسى… لا لفضلها، بل لقسوتها.
هل جربتم أن تحملوا خبرًا سارًا فتُقابَلوا ببرود؟ أن تبادروا بفكرة فتواجهوا بالشك والتقليل؟ هناك قيادات تحطم الحماس بصمت، تزرع الخوف بدل الإلهام، وتخلق بيئة عمل تُخرِج الموظف كل صباح منهكًا قبل أن يبدأ يومه.
القيادة السيئة لا تُسيء للمنشأة فقط… بل تُعيد تشكيل نفوس العاملين عليها بطريقة لا تُنسى.
الدرس الأبقى الذي تعلمته من تجربة الأستاذة وضحى السلطان هو أن القيادة تبدأ من القلب، لا من القرار.
وأن الأثر الإنساني هو السيرة الوحيدة التي لا تُشترى، ولا تُصنَع باللوائح.
في يوم المدير… لا أكتب تكريمًا عابرًا، بل أكتب شهادة وفاء.
لأن بعض القادة يُشرق حضورهم حتى بعد رحيلهم، وبعضهم يُطفئ المكان وهو فيه»
«بعض القادة لا يكسرون العظام، بل يكسرون الأرواح، وهذا أقسى.» — فيكتور هوغو

قد يعجبك ايضا