الانتخابات بين الصمت والانتظار.. حين تتعب الوجوه وتترقّب المدن

د. ابراهيم احمد سمو

نحن اليوم في قلب الحدث الانتخابي، وسط صمتٍ يخيّم على المدن، وهدوءٍ لا يشبه الهدوء الحقيقي بقدر ما هو هدوء ما قبل العاصفة. الشوارع تزينها صور المرشحين، متراصة على الأرصفة والجدران، صامتة لا تنطق إلا بما كُتب عليها، فيما تترقب العيون نهايات هذا السباق الذي اعتدنا أن تبدأ مظاهره الصاخبة وتنتهي بسرعة، كما لو كانت فصلًا قصيرًا في رواية طويلة من الانتظار السياسي.

ورغم ما يشوب المشهد من تجاوزاتٍ أو خروقاتٍ هنا وهناك، إلا أن الأمر محسومٌ بحدود زمنية قصيرة. شهرٌ واحدٌ فقط يفصلنا عن لحظة التصويت، ثم تنقشع كل هذه المظاهر في ساعات قليلة. فمع حلول ليلة الانتخابات، تبدأ اللجان الرقابية في عملها، ترصد وتتابع وتوثّق، كما شهدنا في التجارب السابقة، حيث تختفي الصور في لمح البصر وتُزال الدعايات كأنها لم تكن. إنها دورة حياةٍ انتخابيةٍ تتكرر، فيها يتحرك الجميع بحماسٍ ثم يختفون إلى صمتٍ مفاجئ.

لكن، خلف هذا الهدوء، هناك وجوه مرهقة وقلوب متعبة. كثيرٌ من المرشحين أصابهم الملل والتعب من طول الحملات، وكأنهم يتمنون أن يأتي يوم التصويت لينتهي كل شيء. بعضهم توقف عن الرد على الاتصالات، بل حتى على مكالمات داعميهم أو ناخبيهم. وهذه نقطة كارثية، فكيف يمكن لمرشحٍ أن يكسب صوت الناخب إذا لم يرد على مكالمته؟! فالاتصال البسيط قد يحمل في طياته صوتًا جديدًا، وربما ثقةً ضائعة كان يمكن استعادتها بكلمةٍ واحدة.

الانتخابات ليست مجرد سباقٍ للوصول إلى المقعد، بل هي اختبارٌ للقدرة على التواصل، على الثبات، وعلى الصبر حتى اللحظة الأخيرة. فالتعب مفهوم، لكن الاستسلام له مرفوض. من يتوقف الآن يخسر ما بناه منذ البداية، لأن الناس تراقب دائمًا من يصمد حتى النهاية، ومن يترك الميدان عند أول شعور بالإرهاق.

لقد أصبحت الحملات الانتخابية اليوم بحاجةٍ إلى طاقةٍ متجددة، إلى روحٍ جديدة تختلف عن الشكل التقليدي الذي اعتدناه. على المرشحين أن يدركوا أن التواصل لا ينتهي بانتهاء الزيارات الميدانية أو اللقاءات اليومية، بل يبدأ من جديد عبر وسائل الإعلام الحديثة، وعلى رأسها وسائل التواصل الاجتماعي، التي باتت الساحة الأكثر تأثيرًا في تكوين الرأي العام.

التجدد في الخطاب، والصدق في التعامل، والرد على الناس مهما صغرت اتصالاتهم أو كثرت، هو الطريق نحو بناء ثقةٍ حقيقيةٍ ومستدامة. فالمعركة الانتخابية لم تعد تُحسم في المهرجانات الخطابية أو الصور المعلقة، بل في لحظة تفاعلٍ واحدةٍ صادقةٍ على الهاتف أو في العالم الافتراضي.

ومع اقتراب يوم التصويت، يزداد الترقب، وتعلو نبضات الانتظار بين من يأمل الفوز ومن يخشى الخسارة. البعض يراقب المشهد من بعيد، بعيونٍ حذرةٍ تتوقع كل الاحتمالات، والبعض الآخر يعيش على أمل أن تمرّ هذه المرحلة بسلامٍ وأمان، وأن يكون الفوز حليف قائمته. وأنا، كغيري من المتابعين، أتمنى أن تكون الانتخابات فرصةً جديدةً للتجدد والإصلاح، لا مجرد سباقٍ عابرٍ نحو المناصب.

لكن في المقابل، لا بدّ من الإقرار بأن القلق مشروع، فهو مرهونٌ بإشاراتٍ واستطلاعاتٍ تتبدل بين لحظةٍ وأخرى. ومع ذلك، يظلّ المبدأ واحدًا: الالتزام حتى آخر لحظة، والقدرة على الحفاظ على الروح الأولى التي بدأ بها العمل الانتخابي.

فالانتخابات لا تنتهي بإغلاق صناديق الاقتراع، بل تبدأ بعدها مرحلةٌ أكثر أهمية: مرحلة استعادة الثقة، والعمل الجاد، وتقديم ما وعد به المرشحون في حملاتهم. لذا، لا يكفي أن نكون حاضرين أثناء الدعاية، بل يجب أن نستمر بالحضور بعد الفوز أو حتى بعد الخسارة، لأن الوطن لا يحتمل الغياب المتكرر لمن وعدوه بالعمل.

إنها أيامٌ فاصلة في تاريخ المدن، بين الصمت والضجيج، بين الانتظار والنتيجة، وبين الإرهاق والأمل. لكن الأكيد أن من يُكمل السباق بنفس الروح الأولى، ومن يحافظ على تواصله مع الناس حتى اللحظة الأخيرة، هو الأجدر بالاحترام، سواء فاز أو لم يفز.

فالانتخابات ليست نهاية الطريق، بل هي بداية مسؤولية جديدة، ومساحة لاختبار الصبر، والإيمان بأن الوطن يستحق دائمًا أن نبقى في الميدان حتى النهاية.

قد يعجبك ايضا