د. سحر سعيد صالح
لتكوين المجتمع (أي مجتمع) جملة من الحقائق الموضوعية المهمة او ما يمكن تسميتها بـ (العناصر الأساسية)، ومن أهمها: العناصر الطبيعية او (المكانية) والعنصر الزماني او (التاريخي) فضلا عن العنصر البشري.. ومجمل تلك الحقائق تؤثر في تكون شخصية المجتمع ونفسيته.
ومن أجل معرفة حقيقة الشخصية العراقية الجمعية او المجتمعية، ينبغي لنا دراسة طبيعة العوامل الموضوعية المؤثرة في تلك الشخصية مثل:
الموقـع الجغرافي
شكل وما زال يشكل الموقـع الجغرافي الخاص بالعـراق من النواحي السياسية والجيولوجية والبشرية عاملاً موضوعياً مهماً، اذ يلاحظ ان حدود العراق الطبيعية مفتوحة أمام معظم المناطق والدول المجاورة خلال مراحل الحرب والسلم وعبر التاريخ ، فنجد مثلا تلك الحدود كانت في زمن ما قبل الاسلام موضع مطامع الامبراطوريتين الرومانية والفارسية ومن ثم البيزنطية، فكان موقعه ساحة قتال متواصلة، او ما يصطلح عليه في العصر الحديث بـ (المجال الحيوي)، في موضوع (الجيوبلتكس) ، كلما أتيح لأحد من الأباطرة توسيع امبراطوريته أو معاقبة الدول الأخرى على نزعاتها أو سلوك مواطنيها.
وظل العراق ساحة مواجهات وحروب حتى بعد ظهور الاسلام بل حتى بعد انتقال مقر الخلافة الى الكوفة في العقد الثالث للهجرة، فقامت ثلاثة حروب على أرضه، هي (صفين والجمل والنهروان) ومن ثم وقائع (كربلاء والمختار وزيد بن علي).
وحين تولٌى العباسيون الحكم في العراق زمنا طويلا الا أنها لم تخل من صراعات داخلية مريرة كتصفية الأمويين والبرامكة والعلويين، وتوجت تلك الصراعات بالغزو المغولي على يد هولاكو عام 1258م، وتم تدمير بغداد وقتل أهاليها وتحطيم منشأتها وحضارتها.
ولم يزل الصراع الداخلي بين دويلات القلاع والتحصينات الحجرية التي كانت تتهاوى مرة تحت ضربات الجيوش الصفوية وأخرى تحت ضربات الجيوش العثمانية، وان هدأت تلك الضربات لبعض الوقت، وجدنا العراق أو بعضاً من أجزائه خضع لحاكم عربي أو وال مستبد سام أهله سوء العذاب بين القتل التنكيل والتشريد وجمع الضرائب ولو أجرينا مقارنة بين الحدود الجغرافية للعراق والحدود الجغرافية لدول حضارية شرقية أخرى مقاربة له، كمصر او ايران او تركيا بل حتى الهند، لوجدنا أثر الموقع الجغرافي بوضوح تام.
فقد أخبرنا أحد الآثاريين العراقيين في هذا الصدد بقوله: ((يرتبط تاريخ العراق الجيولوجي بالكتلتين العربية والايرانية ـ الأناضولية التي تقع بينهما منطقة جبال زاجروس ـ طـوروس ولابد لنا من دراسة ما يتصل بهذا الموقع الجغرافي من حقائق بشرية، فالعراق يقع بين حافة الصحراء العربية من جهات الجنوب والغرب، ومعظم الأقوام الوافدة اليه من المنطقة العربية جاءت من الأقوام البدوية منذ أزمنة قديمة، من خلال الغزو او التسلل المتكرر)).
وفي ذلك يقول لنا أستاذ علم الآشوريات في جامعة شيكاغو الأميركية ليو وبنهايم: (لقد استقر البدو وماشيتهم في معسكرات شبه دائمية او انهم تنقلوا بين المراعي الصيفية والشتوية، وبقيت مساهمتهم لحضارة بلاد ما بين النهرين محدودة بحيث يجب عدم الاستخفاف بها). ان هذا العنصر البدوي مهما تكن طريقة حياته التخصصية المحدودة يقدم لنا عاملا مهما والذي أصبح تأثيره واضحا في جوانب متعددة لحضارة بلاد ما بين النهرين وتجدر الاشارة الى ان تلك الهجرات ظلت مستمرة الى وقت قريب من العصر الحديث. ولعل أعداد البدو العرب المتوافدة على العراق في مراحل تاريخه المختلفة من شبه الجزيرة العربية هي السبب في ان يشكل العرب غالبية السكان في العراق أمام التوافد غير العربي (الغازي وغير الغازي) بشكل خاص. فضلا عن تعويضه لخسائره البشرية نتيجة الأوبئة
كما توافدت على العراق أقوام جبلية (شمالاً وشرقاً) ، ومعظم تلك الأقوام الجبلية الوافـدة اليه من بلاد فارس او بلاد الاناظول (فارسية، تركمانية) والأقوام المجاورة الأخرى من جهة ثانية، فضلا عن تواجد سكانه الأصليين القدامى من الأقوام (السومرية والبابلية والآشورية،…الخ)، وبصرف النظر عن المسميات او النظريات الخاصة بتلك المسميات فان أرض العراق كانت وعبر التاريخ ملتقى ومصهرا اجتماعيا او (بوتقة اجتماعية) لعدة أقوام متنوعة متجاورة، دخلت في مخاض عسير من الصراع والحوار والتعايش السلمي، خاصة انه تمتع ومنذ القدم بثروات مختلفة كبيرة، طبيعية وغير طبيعية كافية لاستيعاب تلك الجماعات من جهة وخلق حالة من التفاعل والتوازن الاجتماعي والاقتصادي والسياسي، بين جميع تلك المكونات، عبر مسيرة طويلة من الزمن.
وترتب على ذلك كله، خلق مجتمع جديد (منصهر وممتزج ومتفاعل)، تمتع أفراده بهوية جديدة (العراقية)، بحيث أصبح المجتمع (الجديد) مختلفا عن المكونات او العناصر الأساسية الداخلة في تكوينه قديمـا. ذلك لان الفـرد يوجد في مجتمـع ما أولا ثم يكتسب هويته أو ماهيته لاحقـا، “بمعنى أن الهوية ليست معطى مقدسا وثابتا ونهائيا، وانما هي معطى تاريخي في حالة صيرورة وحركة دائمين.
ولذلك فإننا نعتقد ان الفرد العراقي المنحدر عن جذر العنصر العربي، يختلف عن العربي اليمني او اللبناني او المغربي، بسبب عمليات التفاعل المكاني والزماني الطويل والانصهار والتفاعل الاجتماعي مع الجماعات الداخلة في تكوين المجتمع العراقي المتجدد دائما من خلال عدة روابط (الزواج والعمل والسكن والدراسة والعسكرية والرياضة والفنون والنوادي الاجتماعية والأحزاب والوظيفة)، وغيرها من الروابط الأخرى. او التعرض المشترك لظروف (الغزو الأجنبي المتعدد الوجوه والقهر والاستبداد، والحروب، والحصار.. الخ) بين مختلف الجماعات.
كذلك الحال مع العراقي المنحدر عن جذر العنصر الكوردي، يختلف عن بقية الكورد في المناطق الأخرى، كتركيا او ايران مثلا. والحال ينطبق على العراقي المنحدر عن جذر العنصر التركماني، يختلف عن الأقوام التركمانية في تركيا، او مناطق أوربا الشرقية او غيرها، كذلك الحال مع بقية العناصر الأخرى المكونة للمجمتع العراقي.