ماذا بعد توقف القتال في غزة؟!

زهير كاظم عبود

توقف القتال في مناطق غزة وبقية المحافظات التي تحيط بها، تنفس أهلها المشردين شيء من الفسحة والخلاص من لحظات الموت المرعب، توقفت العمليات الميدانية لجيش يتمترس بأقوى الأسلحة الفتاكة برا وجوا وبحرا ، توقف القتال ولم تزل الاثار التي تركها من دمار، ونزوح مئات الالاف من المواطنين العزل، وانقسام حاد في الداخل الفلسطيني يصاحبه تزايد الكراهية، وستزداد كل تلك الأسباب التي خلفتها الحرب الطاحنة، ما يجعل عملية توقف القتال (مجرد هدنة مؤقتة) وقنبلة منزوعة الفتيل لا تلبث ان تتعب اليد التي تمسك مسمارها ان تنفلت لانفجار جديد في وقت آخر ومكان آخر.

لم يعد ما حدث في غزة خافيا على العالم، وصور الفظائع نتيجة المجازر والجرائم بحق الأطفال والنساء والمدنيين التي ارتكبتها قوات الاحتلال عن سبق إصرار، كشفت للرأي العالمي حقيقة صورة الكيان المحتل، وبدت التظاهرات والتجمعات التي تندد بجرائم الكيان تهز صورة هذا الكيان وتفضح نواياه الاجرامية، وتشكل بذلك ضاغط سياسي اوربي شعبي يدفع باتجاه لزوم تجريم السياسة الصهيونية وسقوطها أخلاقيا ان لم يكن تقييدها، في حين برزت غزة وأهلها رغم جراحها ووجعها رمزا للصمود والتحدي والتمسك بالعدالة والكرامة، وإعادة قضية الحق الفلسطيني الى واجهة العالم بعد ان كاد العالم ان ينساها.

الأطراف الدولية التي عملت كوسطاء لصفقة إيقاف الحرب سيتوسع دورهم وحضورهم الفاعل في العمليات والاتفاقيات التي تم الاتفاق عليها ونسج خيوطها سرا، ويبقى تجنب المواجهة بين الطرف الفلسطيني وبين جيش الاحتلال قائما، غير ان المشروع الأول الأمريكي والذي لا يمكن ان يخلو من تضمين المصلحة الإسرائيلية يشكل الأساس الذي تتحرك ضمنه جميع الأطراف، وتبقى كفة المصلحة الأساس في عملية إيقاف الحرب على حساب العدالة والحقوق، ويبقى المشروع ضمن الترتيب الجديد لخارطة الشرق الأوسط، وستبقى القضية الفلسطينية غائبة دون حل جذري امام الغطرسة الصهيونية وعدم تبني عملية سلام دائم ضمن الاعتراف بحق الشعب الفلسطيني بدولة حقيقية ذات سيادة وعاصمتها القدس، وبعد ان توقفت عمليات القتال ازداد الوعي الشعبي العربي بعد فترة من الغفوة، وهذا الوعي يشكل بذرة مشروع عربي شعبي قادم اكثر نضوجا وفهما.

ومع ان المشروع الذي طرحته الولايات المتحدة يوقف عجلة الموت والدمار بحق الفلسطينيين، الا ان الانحياز الفج لصالح دولة الكيان الصهيوني، سيجعل ثقة المجتمع العربي فاقدة للثقة، ما يدفع ببعض الحكومات امام ضغط شعبها ان تفتح الباب لتوازنات جديدة مع الصين وروسيا، ستنتهي الحرب في غزة باعتبارها جزء من ملحمة حصدت مئات الالاف من البشر تحت انظار الأمم المتحدة، غير ان هذا التوقف سيكون هدوءا مؤقتا واستراحة لطرفين يتصارعان من اجل اهداف متناقضة ومتباعدة.

واختزال العدالة بصفقة توقف القتل والدمار لا يمكن ان ينهي قيم الحقوق التي يتمسك بها شعب فلسطين الذي قدم امام منحر الحرية مئات الالاف من الشهداء ما يعادل ما قدمته غزة، وستبقى قيم المال والسلاح والهيمنة الدولية تفرض مشاريعها وقراراتها، غير ان الحق الفلسطيني لا يتقادم ولا يضعف ولا يتأثر بصفقة مؤقتة دون ان يتم الإقرار والاعتراف بحق الفلسطيني بدولة حرة ومستقلة على ارضه وبحره وسماءه اسوة ببقية الشعوب .

قد يعجبك ايضا