كوردستان… الكلمة الأولى للحرية

أحمد زبير باني

في البدء لم تكن الأرض سوى صمتٍ ينتظر المعنى، حتى نهضت كوردستان من رحم الطين، كأنها أول همسةٍ قالتها الطبيعة وهي تكتشف ذاتها. هناك، بين جبالٍ تُعانق الغيم كأنها تصعد إلى أصلها، ووديانٍ تُغنّي للماء قبل أن يتعلّم اللغة، انبعث الإنسان الأول — لا كجسدٍ يمشي، بل كروحٍ تبحث عن الحرية.

كوردستان لم تُخلق لتكون وطنًا فحسب، بل لتكون مشهَد الميلاد الإنساني. في ترابها انزرعت أول فكرةٍ عن الكرامة، وفي هوائها تعلّم الإنسان أن يرفع رأسه كما ترفع الجبال قممها. فهنا لم يكن الإنسان تابعًا للطبيعة، بل صديقها القديم، يناجيها ولا يستعبدها، يأخذ منها قسوته ورقّته في آنٍ واحد، ويصوغ من تفاعل النار والماء معنى البقاء الكريم.

الحرية في كوردستان ليست مطلبًا سياسيًا عابرًا، بل جينٌ يجري في الدم، ووشمٌ على صخر التاريخ لا تمحوه العواصف. فمنذ أن خطت الأقدام الأولى على هذه الأرض، والإنسان الكوردي يُجسِّد معادلة الوجود الأصعب: أن تحيا بسلامٍ مع العالم دون أن تخضع له.
هو لا يثور حبًّا في الصراع، بل عشقًا في الحقيقة، لأن في عمق ذاته يقينًا أن الحرية ليست ضدّ أحد، بل في صالح كلّ ما هو إنسانيّ.

الكوردي لا يعرف الانكسار، لأن الهزيمة لا تسكن الجبال، والجبال لغته الأم. حين يتكلم، تسمعه الرياح وتصدّق؛ وحين يسكت، يتكلم الحجر نيابةً عنه.
هو الإنسان الذي فهم أن الكرامة ليست ما يمنحه الآخرون، بل ما يخلقه بنفسه كل صباح، حين يفتح عينيه على وطنٍ يليق بالسماء.

كوردستان ليست جغرافيا، بل ذاكرة الخليقة. في صخورها مكتوب سرّ الخلود، وفي ألحان طنبورها حكاية الإنسان الأول حين غنّى للحرية قبل أن يخترع الكلام.
كل شجرةٍ فيها تعرف اسمها، وكل نهرٍ يسير كما يسير الشعر في العروق. حتى الغيم هناك يحمل ملامح كوردية، كأنه وُلد من حنين الجبال إلى ذاتها.

ومن هنا، من قلب هذا المدى الذي لا ينحني، خرجت رسالة أبدية تقول:

إن الإنسان الحرّ ليس من يعيش بلا قيود، بل من يخلق معنىً للحرية حتى في حضرة القيود.
وإن كوردستان ليست وطنًا فقط، بل حالة إنسانية خالدة تذكّر العالم بأن أصل الإنسان حرّ، وأن أصل الحرية إنسان.

فيا كوردستان، يا مرآة البدءِ وامتداد الأبد،
يا نغمة الأرض حين تُغنّي لنفسها،
تبقينِ وعدًا للمستقبل، ودليلًا على أن الكرامة لا تُورّث، بل تُخلَق… كما خُلِقتِ أنتِ: من صخرٍ وضياءٍ وسماءٍ تعرف اسم الإنسان الأول

قد يعجبك ايضا