د. ابراهيم احمد سمو
(11)
مرةً أخرى تعود الانتخابات إلى الواجهة، ويعود معها ذلك الهدوء النسبي الكبير الذي يسبق – ولأول مرة – العواصف السياسية في منطقتنا. هذا الهدوء، رغم طابعه المطمئن، يخفي في طياته الكثير من التساؤلات والاحتمالات. فكم من سكونٍ كان مقدمةً لعاصفة، وكم من صمتٍ أنذر بتغيرات كبرى! ومع ذلك، فإننا نتمنى أن ينتهي هذا الهدوء بهدوءٍ مثله، وأن تثمر العملية الانتخابية عن استقرارٍ وسلام، لا عن اضطرابٍ وانقسام.
غير أن قناعتي الشخصية تقول إن ما يختبئ تحت هذا السطح الهادئ ليس سوى عاصفة قادمة، لا نعلم شكلها، ولا من أي جهة ستهب، ولا إلى أين ستستقر، ولا ما ستكون عليه نتائجها. ومع ذلك، يفرض علينا الواقع أن نقرأ المشهد كما هو: أيامٌ تمضي في عاديتها الظاهرية، وعلاقاتٌ مع بغداد تبدو “أكثر من رطبة” إن صح التعبير، رغم بقاء قضية الرواتب العالقة، تلك التي تحولت – شاء البعض أم أبى – إلى جزءٍ من العملية الانتخابية نفسها.
المشكلة لم تأتِ من طرفنا، بل من الطرف الذي يريد الإمساك بكل خيوط القرار السياسي والاقتصادي، بينما نحن نريدها عملية قائمة على الكرامة والشراكة والاحترام المتبادل. وشتّان بين من يسعى إلى السيطرة والانفراد بالقرار، ومن يطلب الشراكة والتوازن والتوافق.
لقد اخترنا، كما هو دأبنا منذ عقود، طريق الحوار في أحلك الظروف. والتاريخ شاهد على ذلك، لا سيما في عام 1991، حين كانت الثورة الكوردية تمر بواحدة من أصعب مراحلها. ورغم ما كان بأيدينا من قوة وإمكانات، كنا دعاةَ سلامٍ وحوارٍ وشراكة حقيقية. اخترنا هذا الطريق لا ضعفًا ولا اضطرارًا، بل إيمانًا راسخًا بأن الحوار هو المنهج، لا مجرد شعار يُرفع في الخطابات أو كلماتٍ تُقال على الشفاه. لقد جعلناه سلوكًا ثابتًا في الممارسة، لا مجرد موقفٍ تكتيكي.
واليوم، ونحن في خضم أجواء الانتخابات، نؤكد مجددًا التزامنا بالهدوء والاحترام المتبادل، وبأخلاقيات العمل الديمقراطي. لقد كان خطاب الرئيس مسعود بارزاني في حفل التعريف بمرشحي الحزب الديمقراطي الكوردستاني في أربيل نموذجًا في الحكمة السياسية، ودعوةً صريحة إلى ضبط النفس وتغليب لغة العقل. فقد بادر الحزب الديمقراطي إلى الدعوة للهدوء، ونبذ التصعيد والمهاترات، وسبَق بذلك جميع القوى السياسية الأخرى، التي لحقت فيما بعد بنهجٍ مشابه، كما فعل الاتحاد الوطني في حملته الانتخابية.
وهكذا، بدا واضحًا أن العملية الانتخابية في الإقليم – على الأقل حتى الآن – تتجه نحو مسار أكثر اتزانًا وعقلانية. وعلينا جميعًا أن نحرص على عدم “زيادة الطين بلّة”، لأن العراق الفيدرالي يواجه ما يكفيه من التحديات والمشكلات، سواء على الصعيد السياسي أو الاقتصادي أو الإداري. إننا بحاجة إلى مزيدٍ من الصبر والحوار، لا إلى صدامٍ أو تشنجٍ يزيد الأمور تعقيدًا.
إن وفقنا الله في هذا الطريق، وتمكّن الجميع من الالتزام بخيار الهدوء والعقلانية، فسنخرج من هذه المرحلة بسلام وأمان ونجاح إنَّ صوتًا واحدًا أو صوتين من هنا أو هناك، قد يُقال إنهما لا يغيّران من المسار شيئًا، ولا يكونان سببًا في زيادةٍ أو نقصان. غير أن المسألة أكبر من مجرد أصوات؛ فهي قضية أمة، كلما ارتفعت أصواتها، ازدادت قوتها في بغداد. ومع ذلك، يبقى الصوت الواحد ضروريًا جدًا، وعلينا أن نبحث عن كل صوتٍ مهما كلف الأمر. وصحيحٌ أن الأصوات، في ظل الشراكة والتوازن والتوافق، قد لا تقدّم أو تؤخّر كثيرًا، إلا أنها في إطار المنافسة الشريفة تبقى ذات قيمةٍ وأهميةٍ كبيرة إنها تتعلق بمصير تجربةٍ سياسيةٍ عمرها أكثر من ثلاثة عقود، وبمستقبل شعبٍ آمن بالديمقراطية خيارًا لا رجعة فيه.
لقد بدأنا هذه المسيرة على بركة الله، ونحن أبناء التجربة الديمقراطية في كوردستان، تلك التجربة التي تعمدت بالصبر والتضحيات منذ بداياتها الأولى. ولنا في التاريخ شاهدٌ نعتز به: الخطاب التاريخي للرئيس مسعود بارزاني في كوية بعد الانتفاضة ، وانتخابات عام 1992، حين أرسى دعائم النهج الديمقراطي في الإقليم، وأكد أن إرادة الشعب هي الأساس، وأن الحوار هو الطريق الأوحد لبناء وطنٍ آمنٍ ومستقر.
منذ ذلك الوقت وحتى اليوم، ورغم ما واجهناه من صعوبات وتحديات داخلية وخارجية، ورغم تعقيدات المشهد الإقليمي وضغوط العمق العربي من جهة، والمصالح المتشابكة من جهة أخرى، بقينا متمسكين بخيار العراق الديمقراطي الفيدرالي. لم نحِد عن هذا الخيار، لأننا نؤمن أن مستقبل الجميع – عربًا وكوردًا وباقي المكونات – لا يكون إلا في ظل نظامٍ عادلٍ يضمن الحقوق ويصون الكرامة ويقيم التوازن بين السلطات والمناطق.
اليوم، ونحن على أعتاب مرحلةٍ جديدة من الاستحقاقات، ندرك أن الطريق ليس سهلاً، وأن التحديات كثيرة. ولكننا نؤمن بأن التجربة أثبتت أن الكورد كانوا دائمًا دعاة استقرارٍ وشركاء في بناء العراق الجديد، لا دعاة قطيعة. لقد اخترنا الحوار طريقًا، والسلام منهجًا، والشراكة هدفًا، لأننا نعرف أن القوة الحقيقية لا تكمن في السلاح أو النفوذ، بل في القدرة على بناء جسور الثقة بين المختلفين، وفي ترسيخ مفاهيم الديمقراطية الحقة.
إننا نعيش اليوم لحظة مفصلية، قد تحدد شكل العلاقة المستقبلية بين الإقليم وبغداد، وقد ترسم ملامح المرحلة القادمة من التجربة الفيدرالية العراقية. لذلك، علينا جميعًا – أحزابًا وقوى ومواطنين – أن نحافظ على هذا الهدوء الإيجابي، وأن نوجّهه نحو البناء لا الهدم، ونحو التفاهم لا التصادم. فالعراق بحاجةٍ إلى كل أبنائه، وكوردستان بحاجةٍ إلى كل طاقاتها، ولا يمكن لأحدٍ أن ينجح بمعزلٍ عن الآخر.
وهكذا، تبقى رسالتنا واضحة: لن نختار سوى الحوار، ولن نرفع سوى راية السلام، لأننا أبناء الديمقراطية، وأبناء و احفاد من علّمونا البارزاني الاب و الرئيس مسعود بارزاني أن التوازن والتوافق هما سرّ البقاء في زمن العواصف