إقليم كوردستان.. حاضرة التقدم في الشرق الأوسط

سامان واجد حميد

بحثت عن كليتي التي كنت أدرس فيها لثلاث سنوات و لم أجدها حتى قال لي أحد أصدقائي ها هي ذا.
نعم هذا ما جرى لي وأنا أبحث عن بوابة (كلية التربية-جامعة صلاح الدين) مع العلم أنها (وشأنها في ذلك شأن معظم الكليات) في تسعينيات القرن المنصرم تقع على الطريق العام الذي يربط أربيل بكركوك.

المدة التي غبت فيها عن كوردستان لم تكن بتلك الطويلة حتى أعود إليها ولا يتسنى لي التعرف على معالمها.. كنت أبدو غريبا يزور أرضا لا يعرفها.. وكنت وعلى مدى شهرين (وهي المدة التي قضيتها بين يوليو/تموز وسبتمبر/أيلول ٢٠٢٣) على تحقيق دائم مع دواخلي.. أسأل أهلي وأقاربي وأصحابي.. متى بنيت كل هذه المباني الشاهقة والجميلة؟! ومتى مدت كل هذه الطرق و الجسور الرائعة؟! وكيف تمكننا وفي مدة قياسية أن نحول اقليمنا إلى حاضرة معمارية نفتخر بها أمام العالم أجمع؟!

عندما دخلت أربيل لم أجد كليتي التي درست فيها. قال لي أحد أصدقائي مازحا: (لو أزحنا القلعة من وسط المدينة لتاه جميع من يعيش فيها ولما عرف أحد العودة إلى منزله) ولكني لم أجدها مزحة. بل حقيقة لا يمكن لأحد أن يغفل عنها. أربيل ليست عاصمة الاقليم فقط. بل هي واحدة من أهم مدن العراق والشرق الأوسط في وقتنا الراهن. فهل كان عقدين من الزمن كفيلتين بتحويل مدن إلى حاضرات معمارية يقف أمامها العقل البشري منبهرا من كم التقدم المعماري الذي يراه و يتجلى أمامه؟!

سألت كثيرا: كيف حدث كل هذا في عشرون عاما فقط؟ كان الفخر والفضول يضغطان على دواخلي كي أستنبط الحقيقة وأعرف أبعادها. فهنالك دول في منطقتنا يسبقون أقليمنا في تأريخ نشأتها. أعمارها وصلت إلى قرن من الزمان ويمتلكون من الموارد الطبيعية والموارد والأموال والخيرات ما لا يملكه أقليم من أربع محافظات ربعها ولكنهم لم لن يصلوا في يوم من الأيام إلى هذه الدرجات القياسية في التطور العمراني والتكنلوجي والإجتماعي الذي وصلت إليها أقليم كوردستان في عقدين من الزمن!

لم أجد الجواب إلا عند أحد رفاقي أيام الجامعة. أستطرد وبكل حماس و قال لي: (بينما الجميع منهمكون في ضوضاء الحروب و أتونها حولنا… وكل دولة حوالينا تريد فرض إرادتها وأجنداتها السياسية والعسكرية على الأخر. كنا نحن نعمل بعيدا عنهم. قادة الأقليم الأكفاء فرضوا العمل و ليس الأقوال كالأخرين.

ما كنا نحصل عليه من الموازنة العامة من بغداد نطور به طرقنا وجسورنا ونمد طرقا جديدة ونبني معالم حضارية جديدة. نشيد المدارس والمستشفيات والجامعات الحديثة وعلى طرازات عالمية. لا نكتفي بالبناء. نمد أيادينا إلى الاستثمارات الأجنبية كي لا نعتمد على مصدر اقتصادي واحد. بنينا في صمت وهدوء بعيدا عن أصوات القنابل والصواريخ والمدافع التي كانت تدق على أبواب الجيران. ولم نتعدى على حقوق أحد وتمكن قادتنا بحكمتهم وعيهم من ابقاء أقليمنا بعيدا عن المشاحنات والتوترات الأقليمية والدولية اللتان تحاكان منطقتنا وحصلوا بذلك على ثقة القوى العظمى في المحافظة على أربيل وأخواتها بعيدات عن الصراعات الطائفية والأثنية التي لاتزال تستنزف قوة الدول التي تحيط بأقليمنا).

وهذا بالفعل هو ما حدث طوال عقدين من الزمن كانتا كفيلتين بإنتاج أقليم حي يناطح في تطوره وتقدمه دول الخليج العربي ويتنافس وبكل قوة على موقع الريادة في الشرق الأوسط الجديد.

لم تسعني الغبطة والفخر وحمدت الله كثيرا لأن نضال شعبنا الأبي لم يذهب أدراج الرياح كما رأينا في معظم دول التي خاضت غمار الربيع العربي، بل أننا حولنا عرق النضال ودماءه إلى حضارة وتقدم…

قمت بتصوير معالم المدن في كوردستان ليل نهار وعندما عدت إلى أستراليا كنت أريها لأصدقائي. كنت أقول لهم و بصدر رحب يملئه الفخر والعنفوان: (هذا هو موطني، أنظروا إلى ما فعله قادتنا الأكفاء في ربوع موطني في عقدين من الزمن وبإمكانيات بسيطة تمتلك دول منطقتنا أضعاف مضاعفة منها ولكنها لا تستطيع الحاق بنا في دفع عجلة الحضارة إلى الأمام مثلنا) أقول لصحبي هنا: (تصوروا أن الذي ترونه مدن أقليم وليست دولة). يندهشون مما أقول. كل هذا وليست دولة. وكيف تكون الدولة! تراني أقول لهم، لقد أشعلنا في سبيل الذي ترونه الثورة تلو الثورة ومنذ عام ١٩١٩. ودفعنا من أجل ثوراتنا ثمنا باهظا من دماء أبنائنا. لم نستكن ولم يهدأ لنا بال ولم نتنازل عن حقوقنا المغتصبة. ولم ترعبنا لغة الحديد والنار التي كانت تتحدث بها الأنظمة القمعية التي اغتصبت أرضنا.

قادة ثوراتنا كانوا رجالا مخلصين…ثوارا ومناضلين. يذودون عن تراب أرضنا مع مقاتلي ثورتنا المباركة يدا بيد تمكنوا بعد نضال مرير من الحصول على أول حكم ذاتي لكوردستان في التأريخ الحديث في عام ١٩٧٠ و رغم المؤامرات التي كانت تحاك ضدنا من الحكومة المركزية بمعية و مساهمات دول الجوار تمكن هذا الحكم الذاتي لكوردستان أن يصمد لأربعة أعوام. تأمروا علينا و لم يجدونا أهلا لأدارة أرضنا. كانوا يريدون سلب حقوقنا بأي ثمن. حتى نجحوا في مأربهم عام ١٩٧٥. ولكن ورغم الدموع والدماء فأن ثورتنا لم تنتهي ولم تضعف. واستمرت بضراوة أقوى من ذي قبل وامتدت لخمسة عشر عاما حتى أندلع لهيب انتفاضة أذار مارس المباركة عام ١٩٩١ لنبسط أيادينا أخيرا على أراضينا وحقوقنا المغتصبة.

هذه الانتفاضة التي تمخضت عنها حدوث أول انتخابات حرة وديمقراطية في تأريخ الدولة العراقية الحديثة بعد العهد الملكي وأنبثق عنها أول برلمان وحكومة ديمقراطيتين في تأريخ العراق الجمهوري عام ١٩٩٢. بين عام ١٩٩٢ و٢٠٠٣ عانا الأقليم من ظروف حصارين أقتصاديين جائرين فرضتا من قبل المجتمع الدولي والسلطة التعسفية في بغداد أثرت سلبا على الحالة المعيشية لمواطني الأقليم.

لكن قادة الأقليم وخلال هذا العقد من الزمن فتحوا معابر الأقليم مع دول الجوار للتعامل التجاري مع هذه الدول لتقليل و طئة الحصارين الاقتصاديين المفروضين عليهم وعلى شعبهم وتمكنوا و في غضون سنوات من تغير العقد الاجتماعي للأقليم و وضعه على الطريق الصائب كي تبدأ بذلك حملة التطوير و التقدم التي لم تتوقف منذ عام ٢٠٠٣ و إلى يومنا هذا بينما ظل المواطن العراقي يعاني من البؤس و فساد الحكومات المتوالية على حكم بلده حتى بعد زوال نظام البعث و بزوغ شمس التحرر في العراق.

لقد أثبت أقليم كوردستان بأنه أقليم لشعب حي لا يعرف التطرف والعنصرية ولديه قادة أكفاء يفكرون قبل أن يعملوا ويعملون قبل أن يقولوا.. هذا هو سمات أقليم كوردستان.. أقليم على شاكلة دولة حرة، متقدمة، مزدهرة. تضع المستقبل نصب عينيها وتناضل من أجل غاياتها. ليس بخاصرة رخوة ينال منها الأخرون بسهولة. بل هي في خضم المعادلة الدائمة للشرق الأوسط وميزان القوى فيه.

قد يعجبك ايضا