إبراهيم خليل إبراهيم
صادف شاب في مدينة بغداد العراقية اسمه أحمد فتاةً تلبس الخمار الأسود فوقعت عيناه على هذه الفتاة الجميلة خاصة عندما رفعت الخمار الأسود عن وجهها وتابعها حتى دخلت إلى بيتها.
أصاب هذا الشاب اليأس عندما انقطعت عنه مدة طويلة فظل على هواه مولعاً بها وفي ظهر أحد الأيام وهو ذاهب للصلاة في أحد المساجد يفاجأ بهذه الصبية كأنها تسأله عن سبب انقطاعه عنها لكن أمها خلال لقائهما نادت ابنتها يا مها فشدّه الموقف فأنشد مستعيناً بأبيات من قصيدة الشاعر ربيعة بن عامر الدارمي الملقب بالمسكين وهو يقول:
قلْ للمليحة في الخمار الأسود
ماذا فعلت بناسكٍ متعبد
قد كان شمّر للصلاة ثيابه
حتى وقفت له بباب المسجد
ردّي عليه صلاته وصيامه
لا تقتليه بحق دين محمد
وذات يوم عاد أحمد يزور مكان الفتاة ولما رآها أخذت تبادله النظرات من خلف النافذة وهي تسكن بجوار الكنيسة وغالباً ما يكلفها الراهب بضرب الناقوس يوم الأحد إيذاناً بالصلاة لكنها انقطعت عنه بعد ذلك ولم يرها حتى اشتد به الوجد وأصابه الحب موضعاً فأنشد لها وهو يُسمع الناس صوته هذه الأبيات الجميلة في صبيحة يوم الأحد والناس متجهين إلى القدّاس لعلها تصل إليها أو يعينه أحد على بلوى عشقه يقول:

سمراء من قوم عيسى
من أباح لها
قتل امرئ مسلم قاسى بها ولها
أردت بيعتها أشكو القتيل لها
رأيتها تضرب الناقوس
قلت لهايا مها أالله يلهمك وصلي
فكفي النوى إني متيمك
قالت بلى…
ومضت الأيام القليلة مسرعة ورحلت عائلة هذا الشاب أحمد من بغداد إلى مكان آخر وغادر الحبيب حبيبته وهو مرغم والدموع تصب من عينيه كما أنها ودّعته وقد خرجت بخمارها على أمل الانتظار أن يعود إليها وهو يقول:
لما أناخوا قبيل الظهر
عيسهمو حملوها وسارت بالهوى الإبليا
حادي العيس عرّج كي أودعهميا
حادي العيس في ترحالك الأجلو
شاءت الظروف أن تُصاب الفتاة بمرض من الأمراض التي كانت تفتك بالناس وكانت تنادي حبيبها مدة مرضها من دون أن تحظى بكلمة منه وفارقت الحياة وبعد حين عاد وقبل أن يدخل إلى الكنيسة أخذ يتلفت يميناً وشمالاً لعله يراها ولكن لا أثر فأتى الراهب في الكنيسة يسأله منشداً:
إني على العهد لم أنقض مودّتهميا
ليت شعري بطول العهد ما فعلوا
لما علمت بأن القوم قد رحلوا
وراهب الدير بالناقوس منشغليا
راهب الدير بالإنجيل تخبر
نيعن البدور اللواتي ها هنا نزلوا
فحنّ لي وبكى
وأنَّ لي وشكى
وقال لي يا فتى
ضاقت بك الحيلإن
البدور اللواتي جئت تطلبها بالأمس
كانوا هنا واليوم قد رحلوا
شبكت عشري على رأسي
وقلت لهيا
حادي العيس
لا سارت بك الإبل ليت المطايا
التي بهم ضلعتيوم الرحيل
فلم يبقَ لهم جملُولم تمهله المنية
بعد ذلك لعدة أسابيع ظل فيها الشاب يعاني من علّة العشق حتى توفي من شديد حبّه وحسرته لفقدان الحبيب وأصبح نبراساً للعاشقين في هوى بغداد.
هذه أغنية غنّاها الفنان ناظم الغزالي الذي رحل إلى دار الخلود ولكن فنه مازال معنا وسيظل حتى تقوم الساعة.