الأم نفحة من الجنة ووصية السماء

نوري جاسم

في هذا العالم الصاخب، حيث تتغير الوجوه وتتبدل القلوب، تظل الأم وحدها الثابتة، جذع الشجرة الذي لا ينكسر، والنبع الذي لا ينضب. هي أول الحب، وأصدق العطاء، وأطهر القلوب. حبها لا يعرف أنانية، وعطاؤها لا يُقارن.

لقد رفع الإسلام من قدر الأم، وجعل برّها من أعظم القربات الى الله سبحانه وتعالى، حتى قرن الله طاعتها بطاعته، وذكرها في كتابه العظيم في مواضع تُظهر مكانتها، فقال تعالى:

“وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ” (لقمان: 14) وفي هذا التقديم للأم تنبيه لطيف لعظيم ما تحملته من ألم الحمل والولادة والتربية.

وفي الحديث النبوي شريف، سأل رجلٌ النبي ﷺ: “يا رسول الله، من أحق الناس بحسن صحابتي؟

قال: أمك.
قال: ثم من؟
قال: أمك.
قال: ثم من؟
قال: أمك.
قال: ثم من؟
قال: أبوك.” (رواه البخاري ومسلم)

ثلاث مرات للأم، وواحدة فقط للأب، عدلٌ إلهي يُنصف من عاشت أعوامًا من التضحية دون كلل.

✦ وصايا الصالحين وأهل البيت:

قال الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام):

حق الأم أعظم من أن يُؤدّى، لأنها حملت حيث لا يحمل أحد، وأعطت حيث لا يعطي أحد، وسهرت حيث ينام الناس.”

وكان الحسن البصري قدس سره يقول:

“برُّ الأم طريقك إلى الجنّة، فلا تغلق الباب بيدك.”

وكان الشيخ محمد المحمد الكسنزان الحسيني قدس سره يقول عن الام:

“دعاء الأم يصل إلى السماء بلا ترجمان، فهو مكتوب بمداد الرحمة.”

✦ أقوال الحكماء:

قال سقراط:

“مدرسة الرجل تبدأ من حضن أمه.”

وقال أفلاطون:

“أمهات المستقبل هنّ من يصنعن رجال الأمة.”

وقال جبران خليل جبران:

“أمي هي الوطن، ومن لا وطن له، لا أم له.”

✦ في الشعر العربي:

تغنّى الشعراء بالأم كثيرًا، ومما قاله إبراهيم طوقان:

“لأمك حق لو علمت كبيرُ
كثيرك يا هذا لديه يسيرُ

فكم ليلةٍ باتت بثقلك تشتكي
ولها من جَواهَا أنّةٌ وزفيرُ”

وقال حافظ إبراهيم:

“الأم مدرسة إذا أعددتها
أعددت شعبًا طيب الأعراقِ”

من حكمة الواقع:

في كل بيت، تقف الأم كالحصن، تصبر حين تنهار الجدران، وتبتسم حين يعبس العالم. تتقن فن العطاء دون صوت، وتخفي تعبها خلف دعوة صامتة عند السحر:

“اللهم احفظ أولادي…”

ويا ويل من عقّ أمه أو قسا عليها، فقد قال النبي ﷺ: ((ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ الشرك بالله، وعقوق الوالدين…)) (رواه البخاري ومسلم)

إن كانت الجنة تحت أقدام الأمهات، فإن الوصول إليها يبدأ بكلمة طيبة، ونظرة حنونة، وخدمة متواضعة، ودعاء صادق. ومن خسر أمه، فقد خسر بابًا من أبواب الجنة، لا يُفتح مرة أخرى، فاحفظ أمك حيّةً، وأكرم ذكراها ميتةً، فكل شيء يُعوَّض… إلا الأم. واقول “الأم هي أول باب في طريق الله، من لم يُقبّل قدميها، تاه قبل أن يبدأ السير.” وفي حضن الأم تبدأ الحياة، وببرّها تُفتح أبواب السماء. وتبقى الأم سرّ الرحمة الإلهية في الأرض، ومن عرف حقها، نال رضا الله قبل الناس.

اللهم صل على سيدنا محمد الوصف والوحي والرسالة والحكمة وعلى آله وصحبه وسلم تسليما.

قد يعجبك ايضا