إعداد ـ التآخي
في كل مرة تهدأ فيها الأمور في العالم، ونظن أن السلام قد تحقق، تبرز من جديد مخاطر الحروب لاسيما التهديد باستعمال السلاح النووي، وبرز هذا بصورة خاصة في الحرب الروسية الأوكرانية، وعلى خلفية تداعيات الهجمات الاسرائيلية الايرانية المتبادلة، فلماذا يجري التهديد باستعمال الأسلحة النووية؛ ولماذا تهدد بعض الدول باستعمال السلاح النووي؟
لا شك أن التهديد باستعمال الأسلحة النووية هو من أخطر التطورات في العلاقات الدولية، ويُعد عودة إلى حقبة الحرب الباردة، اذ كانت هذه التهديدات جزءا من استراتيجية الردع المتبادل. لفهم أسباب هذه التهديدات، يجب النظر إلى عدة عوامل معقدة ومتشابكة:
استراتيجية الردع النووي
الهدف الأساسي من التهديد بالسلاح النووي هو الردع. تمتلك الدول النووية هذه الأسلحة لردع أي دولة أخرى من مهاجمتها أو مهاجمة حلفائها. تُبنى هذه الاستراتيجية على مبدأ “الدمار المؤكد المتبادل” (Mutually Assured Destruction – MAD)، الذي يعني أن أي هجوم نووي من طرف سيقابله رد نووي مدمر من الطرف الآخر، مما يؤدي إلى تدمير الطرفين. وبالنتيجة، فإن التهديد بالاستخدام هو وسيلة لمنع حدوث الصراع في المقام الأول. في حالة الحرب الروسية الأوكرانية، استعملت روسيا هذا التهديد لتحذير الدول الغربية من التدخل المباشر في الصراع، مما قد يؤدي إلى تصعيد لا يمكن السيطرة عليه.

يُعد التهديد النووي أداة لإظهار القوة والسيادة، بخاصة بالنسبة للدول التي ترى أن مصالحها الحيوية مهددة. عندما تشعر دولة نووية أنها محاصرة أو مهددة، قد تستخدم التهديد النووي كوسيلة لفرض شروطها أو لردع أي تدخل خارجي. تُعتبر الأسلحة النووية ضمانا لأمن هذه الدول وسيادتها.
في بعض الحالات، قد تلجأ الدول إلى التهديد النووي لتعويض ضعفها في الأسلحة التقليدية مقارنة بخصومها. هذا الأمر ينطبق على بعض الدول الصغيرة التي تمتلك أسلحة نووية، حيث ترى أن هذه الأسلحة هي الضمان الوحيد لأمنها. في حالة روسيا، على الرغم من قوتها العسكرية التقليدية، فإنها قد تستخدم التهديد النووي كوسيلة لتعزيز قوتها في مواجهة حلف الناتو الذي يتفوق عليها في القدرات العسكرية التقليدية.
في بعض الحالات، قد تستخدم الدول التهديد النووي كوسيلة لتخفيف التصعيد في صراع معين. قد يظهر هذا الأمر متناقضا، ولكن الهدف هو إرسال رسالة واضحة بأن التصعيد المفرط قد يؤدي إلى كارثة لا يمكن تصورها، مما يدفع الأطراف الأخرى إلى التفكير مليا قبل اتخاذ أي خطوات قد تزيد من حدة الصراع.
وقد تستعمل الدول التهديد النووي لتغيير موازين القوى في منطقة معينة أو على الصعيد العالمي، عن طريق التلويح بالورقة النووية، تحاول هذه الدول إعادة صياغة المعادلات الجيوسياسية وإجبار الأطراف الأخرى على الاعتراف بقوتها وتأثيرها.
و يجب الإشارة إلى أن التهديد النووي يظل استراتيجية محفوفة بالمخاطر، اذ أن أي خطأ في الحسابات أو سوء فهم قد يؤدي إلى كارثة عالمية. ولهذا السبب، تُعد السيطرة على الأسلحة النووية والحد من انتشارها من أهم القضايا في العلاقات الدولية.
التهديد بالنووي
إنّ لجوء بعض الدول إلى التهديد باستعمال السلاح النووي هو قضية معقدة تتداخل فيها عوامل استراتيجية وسياسية ونفسية. يمكن تلخيص الأسباب الرئيسة وراء هذه التهديد بعدة عوامل، اذ يُعدّ الردع النووي هو السبب الرئيس لتواجد الأسلحة النووية في المقام الأول. فالهدف ليس استخدامها بالفعل، بل منع أي خصم محتمل من مهاجمة الدولة النووية أو حلفائها. التهديد باستخدام السلاح النووي في هذا السياق هو بمنزلة إشارة واضحة بأن أي هجوم ضد الدولة سيُقابل برد نووي مدمر. هذه الاستراتيجية تُعرف باسم “الدمار المتبادل المؤكد” (MAD)، حيث يدرك كلا الطرفين أن أي هجوم نووي سيؤدي إلى تدمير الطرفين معا، مما يمنع وقوع الصراع من الأساس.
و قد تلجأ الدول إلى التهديد النووي عندما ترى أن مصالحها الحيوية أو وجودها نفسه مهدد. على سبيل المثال، قد تعد دولة معينة أن التدخل العسكري الخارجي في شؤونها الداخلية أو محاولات تغيير نظام حكمها هي تهديد وجودي يستدعي استخدام كل الوسائل المتاحة، بما في ذلك التهديد النووي.
وقد تلجأ بعض الدول التي تمتلك ترسانة نووية محدودة إلى التهديد بها لتعويض ضعفها في الأسلحة التقليدية مقارنة بخصومها الأقوى. تُعتبر الأسلحة النووية في هذه الحالة “ورقة رابحة” تُستخدم لردع هجمات أكبر من قوات تقليدية متفوقة. هذا ما يُعرف باستراتيجية “التصعيد من أجل السيطرة على التصعيد”.
وفي بعض الحالات، قد يكون التهديد النووي مجرد وسيلة لإظهار القوة على الساحة الدولية. قد تستخدم دولة ما هذا التهديد كوسيلة لتأكيد مكانتها كقوة عظمى، وإعادة ترتيب موازين القوى في منطقة معينة، أو إجبار الدول الأخرى على الاعتراف بوضعها الجديد.

في بعض الأحيان، قد يكون الهدف من التهديد النووي هو التصعيد المتعمد من أجل دفع الأطراف الأخرى إلى طاولة المفاوضات. قد تعتقد دولة ما أن التصعيد النووي سيجبر خصومها على التفكير مليا في المخاطر، مما قد يدفعهم إلى قبول تسوية سياسية كانت تبدو غير ممكنة في السابق.
ويعد التهديد النووي وسيلة فعالة لردع التدخل العسكري الخارجي في صراعات إقليمية. فمن خلال التلويح بالورقة النووية، ترسل الدولة النووية رسالة واضحة إلى الدول الأخرى بأن أي تدخل قد يؤدي إلى تصعيد لا يمكن السيطرة عليه، مما قد يمنع هذه الدول من المشاركة المباشرة في الصراع.
أن استخدام التهديد النووي هو دائما خطوة خطيرة تحمل في طياتها مخاطر جسيمة، حيث أن أي خطأ في التقدير أو سوء فهم قد يؤدي إلى عواقب وخيمة لا يمكن التنبؤ بها. ولهذا السبب، تُعتبر المساعي الدولية للحد من انتشار الأسلحة النووية وتقليل مخاطر استخدامها من أهم أولويات الأمن العالمي.
الدول النووية وترساناتها
بناء على أحدث التقديرات الصادرة عن معاهد ومؤسسات بحثية مثل معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (SIPRI) وغيرها، هناك تسع دول في العالم تمتلك أسلحة نووية. تنقسم هذه الدول إلى فئتين؛ الدول الخمس النووية المعترف بها بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية (NPT): وهي الدول التي أجرت تجارب نووية قبل عام 1967. وتتعهد هذه الدول بعدم استخدام الأسلحة النووية ضد الدول غير النووية، والسعي في النهاية إلى نزع السلاح النووي.
وتشمل هذه الدول: الولايات المتحدة: تمتلك ترسانة ضخمة ومتطورة، وتشمل صواريخ باليستية عابرة للقارات (ICBMs)، وغواصات نووية قادرة على إطلاق صواريخ باليستية (SSBNs)، وقاذفات استراتيجية. وفقا لتقديرات عام 2024، تمتلك الولايات المتحدة نحو 3700 رأس نووي، منها جزء كبير جاهز للاستخدام.
* روسيا: تمتلك أكبر ترسانة نووية في العالم. وتتكون ترسانتها من نفس أنواع الأسلحة التي تمتلكها الولايات المتحدة: صواريخ باليستية عابرة للقارات، وغواصات نووية، وقاذفات استراتيجية. تشير التقديرات إلى أن روسيا تمتلك نحو 4309 رؤوس نووية، منها عدد كبير في حالة تأهب قصوى.
* الصين: تشهد ترسانتها النووية نموا سريعا وتحديثا مستمرا. وتعمل على تطوير “ثالوث نووي” يضم صواريخ برية، وغواصات نووية، وقاذفات استراتيجية. يقدر عدد رؤوسها النووية بنحو 600 رأس، ويعتقد أنها بدأت في وضع عدد قليل منها في حالة تأهب قصوى.
* فرنسا: تمتلك ترسانة نووية أصغر، ولكنها فعالة. تعتمد استراتيجيتها على الردع النووي، وتتمثل قوتها في الغواصات النووية التي تحمل صواريخ باليستية، والقاذفات الاستراتيجية. تمتلك فرنسا 290 رأس نووي.
المملكة المتحدة: تمتلك ترسانة نووية تعتمد بشكل أساسي على غواصات “ترايدنت” النووية التي تحمل صواريخ باليستية. ويقدر عدد رؤوسها النووية بنحو 225 رأسا.
دول لم توقع على معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية أو التي انسحبت منها
الهند: تمتلك ترسانة نووية متنامية، وتعتمد بشكل أساس على الصواريخ الباليستية البرية والطائرات القاذفة. وتشير التقديرات إلى أن ترسانتها النووية تضم نحو 180 رأسا نوويا.
باكستان: هي المنافس النووي الإقليمي للهند. ترسانتها النووية تُعد وسيلة للردع ضد الهند، وتتكون من صواريخ باليستية برية. يقدر عدد رؤوسها النووية بنحو 170 رأسا نوويا.
كوريا الشمالية: قامت بسلسلة من التجارب النووية والصاروخية منذ عام 2006. عوبرغم أن قدراتها غير مؤكدة بدقة، إلا أنه يُعتقد أنها تمتلك نحو 50 رأسا نوويا.
إسرائيل: تتبع سياسة “الغموض النووي”؛ أي أنها لا تؤكد ولا تنفي امتلاكها للأسلحة النووية. ومع ذلك، يعتقد على نطاق واسع أنها تمتلك ترسانة نووية تضم نحو 90 رأسا نوويا.
تختلف قدرات الدول النووية بشكل كبير من حيث التكنولوجيا والكمية. بينما تمتلك الولايات المتحدة وروسيا ما يقرب من 90% من الأسلحة النووية في العالم، فإن باقي الدول تمتلك ترسانات أصغر حجما ولكنها لا تزال قادرة على إلحاق دمار هائل. تُعتبر القدرة على إيصال السلاح النووي إلى الهدف (عبر الصواريخ، أو الغواصات، أو القاذفات) جزءا حيويا من القدرة النووية للدولة.
تجدر الإشارة إلى أن هذه الأرقام هي تقديرات وليست مؤكدة بشكل كامل، حيث أن الدول النووية لا تكشف عن تفاصيل ترساناتها بشكل علني. ومع ذلك، فإن هذه التقديرات توفر صورة واضحة عن حجم التهديد النووي العالمي.
معاهدة الحد من الاسلحة النووية
معاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية أو معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية ( Treaty on the Non-Proliferation of Nuclear Weapons) والمعروفة اختصارا NPT هي معاهدة دولية تهدف إلى منع انتشار الأسلحة النووية وتكنولوجيا الأسلحة، لتعزيز التعاون حول الاستخدامات السلمية للطاقة النووية، وتهدف بشكل ابعد إلى نزع الاسلحة النووية ونزع الاسلحة العام والكامل. تم التفاوض على المعاهدة بين عامي 1965 و 1968 من قبل لجنة مؤلفة من ثمانية عشر دولة برعاية من الأمم المتحدة في مدينة جنيف السويسرية.
جرت إتاحة المعاهدة للتوقيع عام 1968، ودخلت حيز التنفيذ في 1970. بعد خمسة وعشرين عاما اجتمع أعضاء المعاهدة، كما تنص عليه المعاهدة، واتفقوا على تمديدها إلى ما لا نهاية. ضمن هذه المعاهدة أكبر عدد من الدول مقارنة مع باقي المعاهدات الخاصة بالحد من أو نزع الأسلحة الأخرى مما يؤكد على أهمية هذه المعاهدة. في آب / أغسطس 2016 وقع على المعاهدة 191 دولة على الرغم من أن كوريا الشمالية التي وقعت على المعاهدة عام 1985 إلى أنها لم تلتزم بها، وأعلنت انسحابها من المعاهدة في 2003 أربعة من الدول الأعضاء في الأمم المتحدة لم توافق أبدا على على المعاهدة ثلاثة منهم تمتلك أسلحة نووية وهي الهند وباكستان وإسرائيل بالإضافة إلى جنوب السودان المنضمة إلى الأمم المتحدة عام 2011 ولم تنضم إلى المعاهدة.
تعترف المعاهدة بوجود خمس دول نووية قامت ببناء واختبار أجهزة انفجارات نووية قبل 1 كانون الثاني 1967 وهي الولايات المتحدة، روسيا، المملكة المتحدة، فرنسا والصين. هناك ثلاث دول أخرى تم تأكيد حيازتها للأسلحة النووية وهي الهند وباكستان وكوريا الشمالية حيث أعلنت هذه الدول حيازتها للأسلحة النووية وأنها قامت باختبار هذه الأسلحة، بينما إسرائيل تتعمد الغموض بما يخص وضح الأسلحة النووية لديها.
تأثيرات الهجوم النووي
تتسبب الأسلحة النووية في دمار هائل وشامل، حيث تخلف آثارا فورية وطويلة الأمد على البشر والبيئة. تشمل التأثيرات الفورية الحرارة الشديدة، والانفجار، والإشعاع، والحرائق، وتدمير البنية التحتية. أما التأثيرات طويلة الأمد فتتمثل في السقوط الإشعاعي، والآثار الصحية مثل السرطان، وتلوث البيئة، وتغير المناخ، والمجاعة.
التأثيرات الفورية: الحرارة الشديدة، اذ تصل درجة حرارة الانفجار النووي إلى ملايين الدرجات مئوية، مما يؤدي إلى تبخير الأنسجة البشرية وحرق كل ما هو قابل للاشتعال.
و ينتج عن الانفجار النووي موجة صدمية هائلة تدمر المباني والبنية التحتية وتتسبب في إصابات خطيرة، و يتسبب الإشعاع النووي في تلف الخلايا والأنسجة، مما يؤدي إلى الموت الفوري أو الإصابة بأمراض خطيرة على المدى الطويل. وتشتعل الحرائق على نطاق واسع نتيجة للحرارة الشديدة والانفجار، مما يؤدي إلى تفاقم الدمار.
التأثيرات طويلة الأمد: تشمل التساقط الاشعاعي اذ ينتشر الإشعاع النووي في البيئة عبر السقوط الإشعاعي، مما يلوث الأرض والماء والهواء ويؤثر على الصحة العامة.
الآثار الصحية: تزيد احتمالية الإصابة بالسرطان وأمراض أخرى مرتبطة بالإشعاع، مثل العقم والتشوهات الخلقية.
تلوث البيئة: تتلوث الأرض والمياه بالمواد المشعة، مما يجعلها غير صالحة للسكن والزراعة، وقد يؤدي استخدام الأسلحة النووية إلى تغيرات مناخية كبيرة، مثل انخفاض درجات الحرارة وتلوث الغلاف الجوي. وقد تؤدي الحرب النووية إلى مجاعة عالمية بسبب تدمير المحاصيل الزراعية وتعطيل سلاسل الإمداد الغذائي.
وقد تتسبب الأسلحة النووية في اضطرابات اجتماعية واسعة النطاق، مثل النزوح الجماعي والهجرة والنزاعات الأهلية. وتتسبب الأسلحة النووية في خسائر اقتصادية فادحة بسبب تدمير البنية التحتية والإنتاجية، وقد تؤثر الأسلحة النووية على صحة الأجيال القادمة بسبب الإشعاع والتشوهات الخلقية.
ويمكن أن تختلف شدة وتأثيرات الأسلحة النووية بناء على عدة عوامل، مثل حجم السلاح النووي، ونوع الانفجار، والظروف الجوية، والموقع الجغرافي.