نوروز والتآلف الكوردي

بقلم: پَيْرَو أنور

ترجمة من الكوردية: شَمال آكرَيي

أولا: آكرێ (عقرة) ومشروع بناء الأمة
اكتسبت مدينة آكرێ هذا العام، كمنطقة جغرافية وفضاء كوردي، صورة وهوية جديدة ودورا متجددا. فقد زارها أكثر من 88 ألف شخص من مختلف المناصب والمكانات والإثنيات والأجناس، حيث شهدت إقامة مراسم واحتفالية ومهرجانًا رائعًا بمناسبة عيد نوروز، الذي يُعدّ الحدث الأهم والأكثر تأثيرا في تاريخ الكورد.
شكّلت هذه الاحتفالات والتجمع والحماس ومشاركة الكورد من الأجزاء الأربعة لكوردستان مشهدًا استثنائيا وفريدًا في التاريخ الكوردي المعاصر، خاصة في ظل الانقسامات السياسية التي تشهدها الساحة الكوردية. إلا أن نوروز وآكرێ تمكّنا بسهولة من جمع الجميع تحت مظلة واحدة، وإعادة صياغة هوية مشتركة تعزز الوحدة والانتماء الكوردي.
إذا كانت آكرێ في الماضي مجرد بلدة أو إدارة قضاء، فقد أصبحت اليوم مركزًا محوريًا لنموذج جديد من القومية والهوية الكوردية، ومساحة لتوحيد الصفوف.
بناء الأمة، في أبسط صوره، يقوم على جمع الأفراد وتعزيز الوعي المتبادل والتقارب بينهم. وقد مثّل نوروز، إلى جانب أسطورة كاوا الحداد وإشعال النيران والصعود إلى الجبال وحمل المشاعل، رسالة قوية ومؤثرة عن هوية الكورد ووحدتهم. من خلال نوروز، يمكن للكورد أن يدخلوا مجددا في عقد جديد من ترسيخ الهوية القومية.
أكدت لنا آكرێ، على الأقل، في تلك الرسالة حقيقة جوهرية: على الرغم من اختلافاتنا الأيديولوجية والسياسية، فإن نوروز ونيرانه وحماس النوروزيين يمكن أن تجمعنا بسهولة، وتخفف من حدة خلافاتنا. لذا، يمكن لآكرێ أن تصبح من الآن فصاعدا عاصمة نوروز والهوية الكوردية، ومركزًا للروح القومية الكوردية.
آكرێ الآن تمثل رمزًا آخر جديدًا لتوحيد الكورد، سواء في الأجزاء الأربعة من كوردستان أو بين الكورد في الشتات..
ثانيا: القصة وبناء الأمة
لم يكن ظهور الأمة والشعور القومي حدثًا تاريخيًا قديمًا، بل جاء نتيجة تطورات شهدها العالم بعد عصر النهضة والثورة الصناعية. فقد لعبت عوامل متعددة دورًا في تشكيل الأمم، بدءًا من اختراع الورق والطباعة ووسائل النقل، وصولا إلى تطور القصص والروايات والتكنولوجيا وغيرها من المجالات الحديثة.
في الأدبيات القومية، تُبنى الأمم من خلال مجموعة متنوعة من الأساليب والوسائل، وتُعتبر القصص والملاحم أدوات أساسية في ترسيخ الوحدة الوطنية. حتى الأساطير القديمة تساهم في تشكيل الوعي الجمعي للأمم.
تحدث بينيدكت أندرسون Benedict Anderson ( (1939 – 2015 عن “القومية المتخيلة”، مشيرا إلى أن الشعور القومي ينبثق من السرديّات التي تمنح الأمة معنى وقيمة. فمعظم الأمم تمتلك أسطورة أو قصة أو ملحمة تُشكل مصدر إلهام وقوة وحافزا لاستمرارها.
تلعب القصة كعامل جذب (Pulling Factor) دورين رئيسيين:
تعزيز الاستمرارية والبقاء ضمن الإطار القومي والشعور بالهوية.
ربط أفراد الأمة ببعضهم البعض، لا سيما عند انتقال المجتمع من كيان تقليدي بسيط إلى مجتمع أكثر تعقيدا وترابطا، وهو ما وصفه عالم الاجتماع إميل دوركهايم Émile Durkheim) (1858 – 1917) بظاهرة “الصمغ الاجتماعي”.
إن إعادة بناء الذاكرة الجمعية من خلال نوروز والنار والاحتفال الجماعي يُعدّ عملية جوهرية، لا سيما أن الهوية الكوردية لم تحظ بعدَ بالاعتراف من قبل محيطنا وأولئك الذين يعيشون معنا ويتعاملون معنا ولا تزال تفتقر إلى الاعتراف الرسمي الدولي. ومن هنا، فإن نوروز يُعد عنصرا أساسيا في الحفاظ على الهوية القومية وإبقائها حيّة.
ثالثا: كورد الشتات ونوروز
على خلاف الأعوام السابقة، شهد هذا العام احتفالات كوردية ضخمة بعيد نوروز في الشتات، حيث اجتمع كورد الأجزاء الأربعة من كوردستان في أوروبا، وخاصة في ألمانيا، في أكبر احتفال مشترك بألوانهم وأصواتهم ومعتقداتهم السياسية المختلفة، مما شكّل تلاحما غير مسبوق ودائرة واسعة من العلاقات القومية.
يمثّل هذا النوع من الوحدة فرصة ثمينة لتعزيز التكاتف القومي، خاصة لشعب كالشعب الكوردي الذي لا يزال يواجه تحديّات قانونية وسياسية على الساحة الدولية، ويُحرم من دولته المستقلة، فيما تتعرض هويته تحت التهديد والخطر وسياسة الاحتلال والمحو والذوبان.
وكما كان نوروز هذا العام في جنوب كوردستان وشرقها وشمالها وغربها عاملا للتكامل القومي والتآلف وروابط الترابط والتلاحم، فقد كان تأثيره مضاعفًا في الشتات، لا سيما في ظل التغيرات المتسارعة التي يشهدها الشرق الأوسط والنظام الإقليمي.
من ناحية أخرى، يمكن أن يصبح كورد الشتات قوة ضغط مؤثرة في المشهد السياسي الأوروبي، عبر التأثير على المؤسسات القانونية والسياسية للدول الأوروبية وحتى الاتحاد الأوروبي، مما قد يساهم في تعزيز مكانة الهوية الكوردية وتحويلها إلى ركيزة أساسية ومصدرًا للوبّي كوردي قوي لأجل التأثير على مراكز صنع القرار الأوروبية.

كان نوروز هذا العام مختلفًا بكل المعاني والمقاييس، إذ شكل نقطة انطلاق جديدة في مسيرة بناء الأمة الكوردية وترسيخ هويتها في الداخل والخارج.

المصدر الذي تُرجم منه النص:
https://www.wishe.net/detailsWtar.aspx?NusarID=65&Jmare=5550

قد يعجبك ايضا